مجلس المنافسة بين التقارير الناعمة ومحاباة شركات المحروقات.. أين مصلحة المواطن؟

المستقل | هيئة التحرير

بعد طول انتظار، خرج مجلس المنافسة بتقرير جديد يُضاف إلى سلسلة تقاريره حول قطاع المحروقات، ليؤكد مجددًا أن شركات المحروقات لا تزال ماضية في استغلال جيوب المغاربة، عبر تجاهل التراجع العالمي للأسعار، وتحقيق أرباح خيالية على حساب المستهلك. التقرير، الذي حمل عنوان “تتبع تنفيذ التعهدات المتخذة من قبل شركات المحروقات في إطار اتفاقيات الصلح”، كشف أن هذه الشركات تحقق أرباحًا تصل إلى درهمين لكل لتر من البنزين، ودرهم ونصف لكل لتر من الغازوال، وهي أرقام تكشف مدى الاستغلال الذي يتعرض له المواطن المغربي يوميًا.

رغم أن المجلس أكد وجود فارق بين انخفاض الأسعار في الأسواق الدولية وتراجعها في محطات الوقود المغربية، فإنه اكتفى بتقديم معطيات وأرقام دون اتخاذ إجراءات حقيقية تضع حدًا لجشع هذه الشركات. فبحسب التقرير، انخفضت الأسعار الدولية للوقود المكرر خلال الربع الثالث من سنة 2024، إلا أن الانخفاض في المغرب كان أقل بكثير. فعلى سبيل المثال، انخفض سعر الغازوال عالميًا بمقدار 0.68 درهم للتر، لكن الشركات خفضت سعره في محطات الوقود بمقدار 0.48 درهم فقط، لتحتفظ بفارق 0.20 درهم في كل لتر. أما البنزين، فقد انخفض دوليًا بمقدار 1.05 درهم للتر، في حين أن التراجع في محطات الوقود المغربية لم يتجاوز 0.74 درهم، مما يعني أن الشركات احتفظت بفارق 0.31 درهم.

الأرقام التي أوردها التقرير تكشف أن الشركات التسع الكبرى، التي تستحوذ على 82% من السوق، ما زالت تفرض واقعًا اقتصاديًا يخدم مصالحها فقط، دون أدنى اعتبار للقدرة الشرائية للمواطن. وبالرغم من هذا التلاعب الواضح، اكتفى المجلس بالإشارة إلى التجاوزات دون فرض غرامات جديدة، وكأنما يشرعن هذه الممارسات تحت غطاء تقارير ودراسات لا تسمن ولا تغني من جوع.

إن موقف مجلس المنافسة، الذي من المفترض أن يكون حصنًا منيعًا يحمي المستهلك، يثير الكثير من التساؤلات حول دوره الحقيقي. فعوضًا عن التصدي بحزم لجشع هذه الشركات، نجد المجلس يغض الطرف عن تجاوزاتها، بل ويكتفي بفرض “غرامات ناعمة” لا تشكل أي رادع لها، مما يضع مصداقيته على المحك.

وفي الوقت الذي يعاني فيه المغاربة من موجات غلاء طاحنة أثرت على كل مناحي حياتهم، يظهر أن مجلس المنافسة بات جزءًا من المشكلة بدل أن يكون جزءًا من الحل. إن استمرار هذا النهج التطبيعي مع تجاوزات شركات المحروقات لن يؤدي إلا إلى تفاقم الوضع، وهو ما يفرض ضرورة مراجعة جذرية لدور المجلس وآليات عمله، وإعادة الاعتبار للمواطن باعتباره الأولوية الأولى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *