هل يسعى حزب “الأحرار” و”البام” لتصفية حسابات سياسية ضداً على مصلحة مدينة مكناس؟


يبدو أن المشهد السياسي بمكناس لا يزال أسيرًا لحسابات شخصية وصراعات حزبية ضيقة، بدلًا من أن يكون في خدمة المدينة وسكانها. آخر تجليات هذه الصراعات تمثلت في لجوء حزب الأصالة والمعاصرة إلى تفعيل مسطرة التجريد ضد اثنين من مستشاريه بعد انتخابهما نائبين لرئيس الجماعة، عباس الومغاري. هذه الخطوة تكشف بوضوح رغبة الحزب في إعادة ترتيب الأوراق من أجل مصلحة أشخاص بعينهم، بعيدًا عن منطق تعزيز الانضباط الحزبي أو الالتزام بالمسؤوليات السياسية، كما تزعم قيادته الإقليمية.
ما يثير الاستغراب حقًا هو توقيت هذه الخطوة وخلفياتها الحقيقية. ففي فترة رئاسة جواد باحجي عن حزب “الأحرار”، كان حزب “البام” في صفوف المعارضة رغم كونه جزءًا من التحالف الثلاثي. حينها غابت المسؤولية السياسية والانضباط الحزبي تمامًا، ولم تتحرك القيادة المركزية للحزب لمعالجة هذا التناقض. ولكن اليوم، وبمجرد أن أصبح مستشارو “البام” جزءًا من فريق الرئيس الجديد، نجد أن مسطرة التجريد قد تحركت فجأة. وكأن مصلحة المدينة لم تكن أولوية للقيادة الحزبية المحلية إلا عندما عزمت قيادة “الأحرار” على بعثرة أوراق المجلس الجديد. وهذا يعكس أن ما يحدث ليس إلا تسوية لحسابات شخصية ومصالح ضيقة على حساب الانضباط الحزبي والمصلحة العامة.
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن هذه التحركات تعكس رغبة حزب “الأحرار” في السيطرة على المشهد السياسي بالمدينة بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب مصلحة الساكنة. فالسقطات المتتالية التي عاشتها قيادة “الأحرار” محليًا، من خسارة رئاسة غرفة الصناعة والتجارة والخدمات لجهة فاس مكناس، إلى فقدان مقعد برلماني ورئاسة جماعة مكناس، دفعت الحزب إلى تبني سياسة الأرض المحروقة. وبالتالي، بدل التركيز والمساهمة في تنمية المدينة، لجأ إلى التنسيق مع “البام” الذي لم يعد يملك قراره لخلق حالة من الارتباك داخل المجلس الجماعي.
ما يزيد من تعقيد الوضع هو أن حزب “البام”، الذي كان يُفترض أن يمثل توازنًا سياسيًا ويحمل هموم السكان، بات فاقدًا لهويته وزخمه بمكناس. وبدلًا من لعب دور الحزب المستقل المدافع عن المصلحة العامة، تحول إلى أداة في يد قيادة “الأحرار” تخدم أجنداتها الشخصية ضد مصالح المدينة وأولوياتها.
من الواضح أن ما يحرك الحزبين، وبشكل خاص حزب “الأحرار”، هو الخوف من نجاح عباس الومغاري في مهمته كرئيس جماعة مكناس. فبعد أن أظهر الرجل حنكته وجديته وقدرته على التسيير الفعال للملفات المعقدة، أصبحت قيادة “الأحرار” تدرك تمامًا أن نجاحه سيشكل نقطة تحول هامة لشعبية الحزب في المدينة. بمعنى أن حسن تدبير الومغاري قد يكشف سنوات من العبث السياسي الذي طبع أداء باحجي في الشأن الجماعي. حيث سيصبح حزب “الأحرار” في نظر المكناسيين مجرد جزء من الماضي الذي يجب تجاوزه.
المكناسيون اليوم باتوا أكثر وعيًا بما يجري. يدركون أن تفعيل مسطرة التجريد ليس إلا محاولة مكشوفة لإرباك المكتب الجديد للجماعة وعرقلة مسار التنمية الذي بدأت ملامحه تظهر بشكل ملموس. الجميع يعلم أن الهدف ليس المصلحة العامة أو الانضباط الحزبي، بل الرغبة في استبدال نواب الرئيس الحالي بآخرين يخدمون أجندة القيادة المحلية للحزبين ومصالحهما الضيقة.
المفارقة أن هذه التحركات تأتي في وقت تحتاج فيه المدينة إلى الاستقرار السياسي والعمل الجماعي لتحقيق التنمية المنتظرة. فعامل مكناس، عبد الغني الصبار، الذي بذل جهودًا كبيرة خلال السنوات الماضية لإنقاذ المدينة من حالة الركود، يجد نفسه مرة أخرى أمام مشهد سياسي مرتبك تتغلب فيه الحسابات الضيقة على رؤية واضحة لمستقبل مكناس.
وبالتالي، في حال استمر هذا العبث السياسي، فإن المكناسيين لن يغفروا لمن حاولوا عرقلة مسار مدينتهم. مكناس تستحق أفضل مما يُمارس في حقها اليوم. نجاح عباس الومغاري في مهمته هو مكسب لكل ساكنة المدينة، ولا يشكل تهديدًا لأي أحد، إلا لمن يخشون أن يكشف نجاحه تقصيرهم وفشلهم. أما محاولات التشويش وخلق الأزمات المصطنعة، فلن تزيد إلا في تعميق الفجوة بين السكان وهذه الأحزاب.
فالوقت لم يعد يسمح بالمزيد من العبث. على هذه الأحزاب أن تدرك أن السياسة ليست لعبة مصالح، بل مسؤولية تجاه السكان الذين فقدوا الثقة في ممثليهم. مكناس بحاجة إلى قيادات تؤمن بالعمل الجماعي وبأولوية المصلحة العامة، لا إلى أدوات سياسية تحركها حسابات شخصية ضيقة.