صفقات النظافة “ملايير مهدورة” مقابل مُدن غارقة في النفايات
مدن غارقة في النفايات، وإضرابات بالجملة للمستخدمين، وآليات مهترئة لا تستوفي الشروط التقنية الواردة في دفاتر التحملات؛ هذه هي أبرز المشاهد التي تختصر واقع قطاع يستنزف مئات الملايير سنويًا، والتي تذهب لحساب عدد من الشركات التي تم إحداث بعضها تحت الطلب، وبناءً على توجيهات بعض المنتخبين الذين وجدوا في القطاع دجاجة تبيض ذهبًا.
ولأن التبريرات الجاهزة تحولت لصناعة قائمة الذات في مجال السياسة، فإن المنتخبين والدولة اجتهدوا في السابق لتسويق التدبير المفوض لقطاع النظافة كحل سحري من شأنه أن يجعل مدن المغرب نظيفة، بشكل يريح المجالس الجماعية من وجع هذا القطاع، لتتفرغ لما هو أهم، بدعم البنية التحتية للمدن، وخلق مشاريع مهيكلة. لكن العكس هو الذي حصل، لتحصد التجربة فشلًا ذريعًا استنزف ميزانيات الجماعات، وخلق فضائح بالجملة تعرت بالأساس بعد أن انسحبت شركة عالمية في تدبير القطاع من مدن الرباط وسلا وتمارة بطريقة مهينة للمسؤولين، سواء في السلطة أو المنتخبين، وبذرائع متعددة كان أغربها أن المغاربة ينتجون الأزبال بكثرة، خاصة في فصل الصيف.
فشل التدبير المفوض في قطاع النظافة لم يدفع للتفكير جدِّيًا في البديل، بل تم الاكتفاء بتوجيه تعليمات من وزارة الداخلية لرؤساء الجماعات بالضغط على هذه الشركات من أجل القيام بمهامها، بدعوى أنه لا يمكن للبلديات أن تعود لتدبير هذا القطاع، وهو إقرار رسمي بأن المدن المغربية ستغرق في المزيد من الأزبال، بحكم أن عددًا كبيرًا من رؤساء الجماعات والمنتخبين يفضلون إغماض العين عن خروقات شركات النظافة، إما لعجزهم عن سداد مستحقاتها، أو للحصول على نصيب من الملايين التي يتم تجميدها كغرامات مستحقة.
ثقوب سوداء
تقرير سابق للمجلس الأعلى للحسابات رصد النواقص والثغرات التي لا زالت تعتري صفقات التدبير المفوض للنظافة، رغم التنبيه إليها من طرف قضاة المجلس في تقارير سابقة. ووقف المجلس، في مهمة “تقييم تنفيذ عقود التدبير المفوض لمرفقي جمع النفايات المنزلية وما يماثلها والتنظيف بجهة الرباط-سلا-القنيطرة”، عند اللجوء المتزايد لنمط التدبير المفوض بالجهة.
ووفق التقرير، فقد انتقل عدد العقود ذات الصلة من ستة عقود قبل انطلاق البرنامج الوطني للنفايات المنزلية سنة 2008 إلى 26 عقدًا عند متم سنة 2019، كما ارتفع حجم الاستثمارات الملتزم بها من طرف الفاعلين الخواص، والتي ناهزت قيمتها الإجمالية، بالنسبة للعقود الجارية، حوالي 419 مليون درهم.
وأورد التقرير أنه من أصل 26 عقد تدبير مفوض تم إحصاؤه على مستوى الجهة، فقد تم اللجوء بشأن 13 منها إلى إبرام عقود ملحقة تتعلق مواضيعها بجوانب ذات تأثير مالي ملموس، مثل تمديد فترة التدبير المفوض لمدة 6 أشهر إضافية، وإدماج الموظفين الجماعيين الموضوعين رهن إشارة المفوض إليهم، وتغيير طبيعة الأثمان من أثمان أحادية إلى جزافية. حيث أوضح التقرير أن القانون 54.05 أطر “بصفة دقيقة عمليات اللجوء إلى إبرام العقود الملحقة تفاديًا لكل تأثير محتمل على التوازن المالي للعقود الأصلية”.
غش يبيض الملايير
وبالنسبة لبرامج الاستثمار، سجل التقرير في عدة حالات عدم تنفيذ جزء من الاستثمارات المتعاقد بشأنها، خصوصًا تلك المرتبطة بالآليات والحاويات. كما وقف التقرير عند أساليب الغش التي تقوم بها بعض الشركات من خلال دمج مخلفات الكنس اليدوي ومخلفات البناء مع النفايات المنزلية لتلقي مبالغ إضافية غير مستحقة.
وبشأن عمليات إعداد عقود التدبير المفوض وتنفيذها، رصد التقرير عدة نواقص منها عدم وفاء طرفي العقد المبرم ببعض التزاماتهما، مسجلاً عدم قيام الجماعات المعنية بدراسات قبلية لتحديد الحاجيات والتكلفة العامة للاستثمار والتسيير، وكذا طرق تنفيذ الخدمة، وعدم مراعاة خصوصياتها المجالية أثناء إعداد الوثائق التعاقدية، مع عدم تضمين هذه الأخيرة أي أهداف يتعين بلوغها ولا مؤشرات لقياس الأداء. ونبه التقرير للنواقص الكثيرة التي تشوب عملية التتبع، رغم أن مجموعة من العقود الجارية نصت على دعم تمويل عمليات المراقبة والتتبع عبر تخصيص نسبة لها تتراوح بين 1 و2% من رقم المعاملات السنوي للتدبير المفوض، دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة. وأشار التقرير إلى أن غالبية الجماعات التي اعتمدت هذا الإجراء، وفي غياب آلية قانونية ملائمة، لم تستطع استعمال أموال المراقبة، مما قد يؤدي إلى عدم الاستفادة منها عند نهاية العقد.