قصر بونو بطنجة.. فضيحة تعميرية ودبلوماسية تتمدد فوق القانون وتضع حكامة طنجة على المحك

تتشابك معالم الفضيحة التعميرية والدبلوماسية المعقدة في قلب المدينة القديمة بطنجة لتكشف عن النقطة الحرجة التي التقى فيها نفوذ السياسة بانتهازية التسيير الجماعي، حيث تحول معقل تاريخي وإرث معماري فريد إلى مجرد مشروع استثماري خاص يتمدد خارج حدود القانون.

فوفق المعطيات التفصيلية التي كشفت عنها صحيفة “The Objective”، انطلقت سلسلة من الخروقات العمرانية المتسارعة منذ عام 2021، مباشرة بعد شراء خوسيه بونو، وزير الدفاع الإسباني الأسبق ورئيس مجلس النواب السالف، للمنزل والمحترف التاريخي للرسام الكتالوني الشهير خوسيه تابيرو الذي يعود تاريخه لأواخر القرن التاسع عشر. ولم يكتف بونو بإجراء ترميمات داخلية باهظة بلغت قيمتها نحو مليون ونصف المليون يورو وشملت إدخال مصعد تركي الصنع وتثبيت الزليج التقليدي وخشب الأرز المنقوش، بل أقدم في عام 2023 على بناء طابق إضافي في تجاوز عمودي صريح فوق هيكل أثري يقع في منطقة محمية تخضع لمقتضيات المادة 22.80 الصارمة المتعلقة بالمباني التاريخية.

وتورد الصحيفة الإسبانية ذاتها بيانات تكشف أن أبعاد هذه الفضيحة تجاوزت حدود البناء غير المرخص للبناية الأصلية، لتتحول إلى عملية ابتلعت النسيج العمراني المجاور بشكل كلي. بمعنى أن بونو أقدم على اقتناء أربعة عقارات ملحقة، بينها بنسيون إشبيلية القديم ومبان سكنية محاذية، لتتضاعف المساحة الإجمالية وتنتقل من سبعمائة متر مربع إلى أزيد من ألف وثمانمائة متر مربع، مشكلة مجمعا ممتدا ومتصلا من الداخل. ولم تتوقف أطماع التوسع عند هذا الحد، بل امتدت الشراءات العقارية إلى زنقة بنشرقي المقابلة بهدف تهيئة المركب ليتحول إلى فندق فاخر، وهو المشروع الذي كان يتطلب ربط العقار بالكورنيش والبحر عبر شق فتحة في السور التاريخي لمدينة طنجة.

كما كشفت معطيات التقرير الصحفي عن مظاهر أخرى لاستغلال النفوذ والدبلوماسية، حيث أقام بونو شهرا كاملا مجانا في المقر الرسمي للقنصلية الإسبانية بطنجة متنعما بسيارة رسمية وخدمات قنصلية لمتابعة أشغال عقاراته، قبل أن يظهر قصره على منصة :آير بي إن بي” تحت مسمى إقامة فاخرة مغلقة الحجز.

وبتحليل هذه المعطيات الواردة في الصحيفة، يتضح أن هذه التغيرات الهيكلية والاستثناءات فوق القانونية لم تكن لتمر دون مظلة حماية وتواطؤ إداري مباشر، حيث جرت كل هذه الأعمال خلال فترة تولي منير الليموري، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، لرئاسة المجلس الجماعي لمدينة طنجة، وهو العمدة القابع حاليا في السجن الاحتياطي بتهم ثقيلة تتعلق بالتزوير الانتخابي والتلاعب بأوراق الاقتراع.

هذا التقاطع الحاد بين المعطيات الميدانية والتحليل السياسي يضع أجهزة التفتيش التابعة لوزارة الداخلية والوكالة الحضرية والمفتشية العامة للثقافة، إلى جانب القضاء، أمام اختبار حقيقي لإماطة اللثام عن التراخيص الاستثنائية والتغاضي الإداري الذي صدر في عهد العمدة السجين. وبالتالي  فتحديد المسؤوليات وبداية محاسبة كل الأطراف المتورطة ينبغي أن يتجاوز منطق التستر، عبر فتح تحقيق عاجل وترتيب الآثار القانونية بوقف التعديات وإعادة الحالة إلى ما كانت عليه، إنصافا للإرث المعماري الوطني وتكريسا صريحا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بعيدا عن المحاباة والنفوذ الأجنبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *