فاتورة مونديال 2030.. تحذيرات رسمية من مقصلة الديون ومخاطر الاستثمار العمومي

لم يكن التقرير السنوي الأخير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مجرد وثيقة تقنية عابرة تسرد أرقاما ومؤشرات، بل جاء بمثابة قراءة نقدية حازمة تصدم الدينامية الحكومية التي تسارع الزمن لإعداد أوراش كأس العالم 2030، حيث وضع الأصبع مباشرة على السؤال المسكوت عنه والمتعلق بكلفة هذه المشاريع الضخمة ومدى قدرة الاقتصاد الوطني على تحمل تبعاتها المالية دون السقوط في فخ أزمات المديونية المستقبلية.

ويتجاوز الإعلان عن غلاف مالي 190 مليار درهم بين سنتي 2024 و2030، وهو ما يمثل نحو 11.9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، لا يعكس فقط حجم التعبئة الاستثمارية غير المسبوقة لتحديث المطارات والشبكات السككية والحضرية والمنشآت الرياضية والصحية، بل يطرح في المقابل أسئلة حارقة حول مجازفة ارتهان الاستدامة الميزانياتية للبلاد، خاصة وأن التقرير يكشف بوضوح أن حوالي 89 في المائة من هذه الأوراش سيتم تمويلها عن طريق الاستدانة.

وتزداد هذه المخاطر حدة بالنظر إلى توزيع العبء الاستثماري الذي يتحمل فيه القطاع العمومي والمؤسسات والمقاولات العمومية النسبة الأكبر بما يعادل 7.4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، مقابل مساهمات أقل للجماعات الترابية والميزانية العامة للدولة، مما يضع القوائم المالية لهذه المؤسسات أمام اختبار حقيقي، ويفتح الباب أمام التزامات مالية محتملة ومرتفعة المخاطر ناتجة عن التمويلات المبتكرة وعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص التي تتطلب غالباً ضمان حد أدنى من المردودية.

وما يجعل هذه التحذيرات الرسمية مكتسية لطابع الجدية والخطورة هو تنبيه المجلس إلى التراجع المستمر في مؤشر المعامل الهامشي للرأسمال، وهو المؤشر الذي يعري حقيقة تدهور المردودية الاقتصادية للاستثمار العمومي بالمغرب، بمعنى أن تحقيق نفس المستويات التقليدية من النمو أصبح يتطلب حجم إنفاق واستثمار أكبر بكثير من السابق، وهو اختلال يعزى بالأساس إلى هيمنة الاستثمارات الصلبة التي لا تظهر آثارها على النمو بشكل فوري، فضلاً عن الاعتماد المفرط على استيراد المواد الوسيطة ومعدات التجهيز من الخارج، الأمر الذي يحرم النسيج الاقتصادي المحلي والمقاولات الصغرى والمتوسطة من الاستفادة المباشرة من هذه السيولة الضخمة خلال فترة الإنجاز.

وبناء على هذا التشخيص المالي الدقيق، يخلص التحليل إلى أن نجاح الاستحقاق المونديالي لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الجاهزية التنظيمية وإصدار بلاغات الإنجاز الميداني، بل إن الرهان الحقيقي والفيصل يتجلى في القدرة على نقل هذه الاستثمارات من خانة النفقات الاستعراضية والاستدانة المكلفة إلى قاطرة حقيقية لرفع الإنتاجية الوطنية وتحفيز الاستثمار الخاص وإدماج النسيج المقاويلاتي المحلي، تجنبا لسيناريو تحول هذه المنشآت بعد انقضاء الحدث الكروي إلى عبء مالي دائم يرهق مالية الدولة ويعمق أزمات الثقة والعدالة الاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *