امتحان التزكية يشعل البيت الاستقلالي بمكناس.. وهل يثأر الأنصاري لابنته أم ينضبط لقرارات الحزب؟

بقلم | فؤاد السعدي

تتجه الأنظار بمدينة مكناس نحو كواليس حزب الاستقلال عقب الحسم في تزكية حسن اليمني وكيلا للائحة الحزب بالدائرة التشريعية المحلية، خلفا للقيادي البارز ورئيس مجلس جهة فاس-مكناس عبد الواحد الأنصاري، وذلك بعد صراع محتدم على التزكية نافسته فيه نجلة الأخير، مروى الأنصاري. وهو القرار الذي فتح الباب واسعا أمام قراءات سياسية معقدة حول مستقبل المقعد النيابي للاستقلاليين بالمدينة، وطبيعة التوازنات الداخلية التي سترافق الحملة الانتخابية المقبلة.

وعلى خلفية هذا الصمت الناجم عن حسم التزكية، يطرح التطور الأخير سؤالا محوريا حول الموقف الفعلي للقيادة الجهوية للحزب، وبشكل أدق الموقف الشفهي والميداني للرجل القوي في الجهة عبد الواحد الأنصاري، فهل سيساند هذا الأخير مرشح الحزب الرسمي حسن اليمني للحفاظ على المكاسب الانتخابية للحزب الاستقلال؟ أم أنه سيوجه البوصلة نحو دعم هيئة سياسية أخرى بدافع الانتقام السياسي لعدم منح التزكية لنجلته مروى؟ وهي الفرضية التي يعززها تلويح عدد من المقربين منه، من رؤساء جماعات قروية ومستشارين، بالاستقالة الجماعية في حال استبعاد نجلة القيادي الاستقلالي من خوض غمار الاستحقاقات التشريعية.

ولفك شفرات هذا الغضب التنظيمي المتبادل، تجدر الإشارة إلى أن الظفر بالمقعد النيابي لحزب الميزان بمدينة مكناس ظل لسنوات طويلة مرتبطا باسم الأنصاري وشبكة العلاقات والامتدادات التي بناها مع الكتلة الانتخابية، حيث تشكل كاريزما الرجل العلامة الفارقة في تكريس ريادة الحزب بالمنطقة. ومع أفول نجم هذا الاسم من واجهة اللائحة التشريعية، أضحى الحفاظ على المقعد البرلماني أمرا صعب المنال وداخل دائرة الشك، ما لم تتدخل القواعد والمكونات التنظيمية لترميم الشروخ وتعبئة الكتلة الناخبة التقليدية.

ولا تقف أبعاد هذا الثقل الاجتماعي عند شخص الأنصاري فحسب، بل تمتد لتشمل خريطة القوة الانتخابية نفسها، حيث تكشف الجغرافية الانتخابية بمكناس أن قوة الأنصاري لم تكن تقتصر على القواعد الحضرية، بل كانت ترتكز بالأساس على حزام أمان قروي صلب تشكله الجماعات المحلية والمحيطة بالمدينة عبر شبكة أعيان ومنتخبين.

وبالتالي، فتهميش مروى الأنصاري لحساب اليمني قد يخلق شرخا بين جغرافيتين انتخابيتين حيث قد تشعر القواعد القروية بالاستبعاد، مما قد يدفعهم للجوء إلى خيار التصويت العقابي لصالح أحزاب منافسة يترصد خبراؤها هفوات الميزان لاستنزاف خزانه الميداني.

غير أنه في المقابل، وعلى الرغم من هذه الحسابات الميدانية المعقدة، تتداول كواليس القيادة الوطنية أن منح التزكية لليمني جاء للنأي بالحزب عن شبهة التوريث السياسي وتفادي نقمة القواعد المناهضة للهيمنة العائلية، وهو رهـان وإن بدا مكسبا تنظيميا مركزيا، إلا أنه قد يتحول إلى نكسة ميدانية إن لم ينجح اليمني في استيعاب الموقف. غير أن دعوات الحكمة داخل البيت الاستقلالي تذكر بأن الاستقلاليين يصوتون تاريخيا لصالح رمز “الميزان” والمشروع السياسي أكثر من الأشخاص، فضلا عن كون أفضال الحزب والامتيازات السياسية والمواقع التي حظي بها أغلب الغاضبين اليوم تستوجب الوفاء. كما أن الذاكرة الانتخابية القريبة تؤكد أن حسن اليمني شغل موقع وصيف عبد الواحد الأنصاري في الانتخابات التشريعية الماضية، وكان له فضل رئيسي في تحقيق النتائج الكاسحة للائحته، لا سيما بجهود ومخزون الأصوات في دائرة سيدي سليمان، قبل أن تفرز الهندسة السياسية التحاق الأنصاري برئاسة مجلس الجهة، وهو الموقع الذي فتح بدوره المجال أمام صعود اليمني إلى القبة البرلمانية.

من جهة أخرى، وأمام هذا السجال بين المركز والقواعد، يواجه الأنصاري نفسه محذورا سياسيا، فموقعه كرئيس لمجلس جهة فاس-مكناس يفرض عليه التزامات وتحالفات تمنعه من التمرد الصريح ضد حزبه حتى لا يمس ذلك باستقراره المؤسساتي. وبالتالي، فإن اختياره الركون إلى الحياد السلبي أو الانسحاب الهادئ قد يكون أسلوبه غير المباشر لمعاقبة اللائحة، وهو سيناريو لا يقل خطورة عن المواجهة المباشرة في تشتيت الأصوات.

وفي ظل هذه التقاطعات والتجاذبات المعقدة ومخاطر الحياد السلبي، يتواجد حسن اليمني اليوم أمام امتحان انتخابي وسياسي معقد، إذ تتوجه الأنظار نحو الاسم الذي سيختاره لشغل موقع “الوصيف” في اللائحة. ويظل السؤال الأبرز هو، هل يمتلك المرشح المفترض للوصافة قاعدة سياسية وشعبية صلبة قادرة على إحداث التوازن وتغطيته انتخابيا مع وكيل اللائحة، أم سيلجأ اليمني إلى المراهنة على أرقام وأسماء تكتفي بالسياسة الفارغة ورأس مال الكلام دون امتداد ميداني حقيقي؟

وتزداد خطورة هذا الخيار عند النظر في التوازن بين المدينة والقرية حيث تحذر القراءات الميدانية من أن المجازفة بوضع اسم ينتمي للمنطقة الحضرية دون دراسة دقيقة ومسبقة للنتائج قد تزيد من صعوبة مهمة اليمني، وتخلق له متاعب جمة داخل نفوذ حاضرة مكناس، حيث إن اختيار وصيف من المدينة قد يجعله يخسر الامتداد القروي الداعم للأنصاري، بينما اختيار وصيف من القرى يترك الحاضرة للخصوم. وهو ما يستدعي التريث قبل اتخاذ أي قرار نهائي، والتفكير بجدية في البحث عن شخصية توافقية جامعة تحظى بالقبول والاحترام الواسعين لدى الاستقلاليين أولا، ولدى الخصوم السياسيين ثانيا، لخلق شحنة إيجابية للائحة.

وبالتالي، تتلخص الصورة في أن رجوع عبد الواحد الأنصاري إلى الخلف وتخليه عن دعم اللائحة رسميا قد يؤدي إلى تشتت الأصوات الموالية له وتقسيمها بين الهيئات السياسية المنافسة بالدائرة. وأمام هذه المعادلة الشائكة، يبقى السؤال الفاصل، هل سيغلب أبناء الحزب مصلحة التنظيم والمكاسب السياسية الجماعية والتصويت لرمز الميزان، أم أن شرارة غضب “التزكية” ستعصف بالحسابات الانتخابية وتسقط المقعد التاريخي للحزب بمكناس؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *