من ورط الأنصاري في الخروج بالفيديو؟ وهل تكون “سيكوميك” المسمار الأخير في نعش طموحه البرلماني؟

بقلم | فؤاد السعدي
تبدأ قصة هذه القضية من إحدى كبريات الوحدات الإنتاجية في قطاع النسيج بمدينة مكناس، وهي شركة “سيكوم” المملوكة لمجموعة العلمي التازي، والتي ظلت لعقود طويلة مصدرا لرزق مئات الأسر وتشغيل أكثر من 650 عاملا وعاملة. غير أن هذه المؤسسة العريقة بدأت تشهد منذ سنة 2012 صعوبات مالية واختلالات في التسيير، دفعت الملاك إلى البحث عن صيغة جديدة لإعادة تنظيم هيكلتها.
وفي هذا السياق المعقد، شهدت سنة 2014 نقطة التحول الأولى؛ حيث تم تقسيم أصول الشركة عبر تفويت عقار المصنع لشركة شقيقة تابعة لنفس المجموعة تدعى “لون بولفار باريزيان”، ثم اكتراؤه منها بسومة شهرية ثقيلة بلغت 100 ألف درهم، تلتها عملية تفويت مماثلة لأسطول النقل وإعادة اكتراؤه من شركة شقيقة أخرى. ولم تتوقف خطة الهيكلة عند هذا الحد، بل توجت في ماي 2016 بتأسيس مقاولة جديدة ذات مسؤولية محدودة باسم “سيكوميك” فاشترت أصلها التجاري وتم نقل العمال بكامل أقدميتهم وأجورهم إليها، وبمشاركة شريك أجنبي يملك 51% (شركة “ليوم مينور” الفرنسية) إلى جانب تعيين الفاعل الصناعي أنس الأنصاري شريكا بنسبة 49% ومسيرا تنفيذا لمرحلة إعادة الهيكلة. لكن سرعان ما تعمقت الأزمة المالية وتراكمت الديون، لتنتهي التجربة بتراجع الأسهم، وتوقف النشاط تماما سنة 2022، وصدور أحكام قضائية بالإفراغ، وإشهار التصفية القضائية، مما أدى في النهاية إلى تشريد 650 عائلة وجدت نفسها بلا أجور ولا تعويضات بعد عقود من العمل.
وأمام هذا الإغلاق التام وتشريد العمال، دخل الملف مرحلة جديدة من المكاشفة القضائية والإعلامية؛ إذ شكل الحوار الإعلامي الصادم الذي أجراه الصحفي حميد المهداوي مع المحامي خالد عدلي، دفاع عمال “سيكوميك”، منذ أزيد من سنتين محطة مفصلية في تعرية هذا الملف، إذ وضع عدلي أمرا واقعا أمام الرأي العام بتقديمه وثائق حصرية وتقارير خبرة قضائية تمنح الدلائل القاطعة على التلاعب المالي والهندسة الصورية للتملص من المستحقات وتشريد مئات الأسر.
وهكذا، وبعد صمت دام زهاء ثلاث سنوات على هذا السجال الساخن، وما كشفه دفاع العمال في خرجاته الإعلامية ومرافقت المحاكم، وتوثيقه عبر تقرير خبرة قضائية رسمية صادقت عليه المحكمة، أطل أنس الأنصاري فجأة في فيديو مصور يناقش فيه تفاصيل خروجه وموقفه. غير أن ظهور الرجل وهو يقرأ نصا معدا بعناية عبر شاشة “سكريبت” جهزت كلماتها مسبقا، وفي توقيت يتزامن مع التحضير للاستحقاقات الانتخابية لشهر شتنبر المقبل، أثار موجة من الأسئلة لدى المتابعين. فقد سعى الأنصاري في كلمته إلى تقديم نفسه كضحية إعلامية، معتبرا أن تجربته لم تتجاوز سنة ونصفا، ومحملا العمال وتراجع المردودية مسؤولية الفشل، ومتوجها باتهامات مبطنة إلى مالكي العقار الأصليين دون تسميتهم صراحة. وهنا يطرح السؤال الحارق: هل سيلتزم أبناء عائلة التازي الصمت أمام هذا الاتهام المبطن الذي يحملهم التبعة الأخلاقية والمالية لتصفية المقاولة وتشريد عمالها؟ أم أن حرب الردود والاتهامات المضادة ستكشف المزيد من المستور؟
وعند إسقاط ادعاءات هذا الظهور الإعلامي على أوراق الملف، تظهر الفجوة العميقة بين الرواية الشفوية والأرقام الحسابية؛ إذ تكشف المعطيات الرقمية والوثائق المحاسباتية المعتمدة لدى القضاء التجاري، والتي سبق أن فصل فيها المحامي خالد عدلي مع حميد المهداوي بالدليل والبرهان، تناقضا واضحا مع السردية العاطفية التي تم تقديمها للرأي العام. فبينما كان الهدف المعلن من الشراكة الأجنبية هو توجيه الإنتاج لتغطية صفقة رسمية لتجديد الزي الرسمي للأمن الوطني الممنوحة للشركة الفرنسية سنة 2016، أظهر التقرير القضائي أن النسبة الأكبر من الطاقة الإنتاجية للمصنع وجهت لخدمة طلبات شركات أخرى تابعة لمجموعة التازي (حيث لم يوجه لشركة الزي الرسمي سوى 5% سنة 2016 و27% سنة 2017)، دون أن تنعكس عوائد باقي الإنتاج الضخم على الموازنة المالية لشركة “سيكوميك”.
وهنا تبرز الأسئلة الحارقة، إذا كان الهدف المعلن هو إنقاذ المقاولة وضمان استمراريتها، فلماذا وجهت مقدرات المصنع وجهد 650 عاملا لخدمة مصالح أطراف استثمارية أخرى دون أن تنعكس عوائدها على الموازنة المالية للشركة؟ وأين ذهبت أرباح ومخرجات تلك الطلبيات الضخمة التي استنزفت الموارد البشرية قبل إعلان العجز المالي؟ وكيف يفسر الأنصاري التفاصيل الرقمية والدقيقة التي استعرضها الدفاع بالوثائق الموثقة أمام كاميرا المهداوي والتي تجرم المسار المالي للشركة؟
وتكتمل صورة هذه الضبابية المحاسباتية بالطريقة التي جرت بها الترتيبات العقارية واللوجستية، حيث أن هندسة نقل مئات العمال إلى مقاولة حديثة جردت من أصولها العقارية واللوجستية وتم جعلها عرضة لديون كراء متراكمة، أدت عمليا إلى خلق واجهة فارغة سهل إشهار إفلاسها، في وقت بقي فيه العقار الأصلي محصنا ومحميا بعيدا عن أي أعباء اجتماعية. وهنا يطرح السؤال نفسه بحدة، كيف لفاعل تنفيذي خبير أن يقود عملية شراء أصل تجاري ونقل مئات العمال لشركة حديثة التأسيس دون ضمانات عقارية أو مالية تحمي أجورهم وأقدميتهم مستقبلا؟ وألم تكن هذه الهندسة المالية بمثابة إنشاء شكل صوري للتملص من المستحقات وإرجاع العقار خاليا لملاكه الأصليين؟
وامتدادا لهذه الشكوك حول دواعي الشكل والمضمون، فإن اللجوء إلى تسجيل فيديو مغلق والقراءة من جهاز “السكريبت” وتفادي عقد ندوة صحفية مفتوحة تتيح للوسائل الإعلامية طرح الأسئلة والتدقيق في الأرقام الحسابية، يعكس رغبة واضحة في التحكم في الرسالة وتفادي المواجهة المباشرة مع معطيات الخبرة القضائية والحقائق الثقيلة التي وضعها خالد عدلي في مرمى النقاش العمومي. فما الذي كان يمنع الأنصاري من مواجهة الصحافة والاستحضار المباشر للأرقام والوثائق لو كانت حجته صلبة؟ ولماذا انتظر ثلاث سنوات كاملة ليرد في هذا التوقيت بالذات؟
وبالتالي لجوء أنس الأنصاري إلى تسجيل فيديو مغلق وقراءة نص من “سكريبت” جاهز، لم يكن سوى خطأ تكتيكي قاتل بامتياز، دفع به مستشارو حملته الانتخابية للهروب إلى الأمام واستباق الشارع، فكانت النتيجة “أن السحر انقلب على الساحر”، حيث أعاد الخروج المتوتر فتح الجراح وسلط الضوء مجددا على تقارير الخبرة القضائية الثقيلة بدلا من إقبارها. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لشهر شتنبر، لا تبدو الحملة الميدانية مجرد محطة عادية، بل مواجهة مباشرة مع مئات العوائل الجريحة التي قد تحاصر المقرات الانتخابية وترفع شعارات المظلومية في وجه كل تجمع خطابي. ورغم المحاولات المستميتة لإبعاد التهمة، فإن المؤشرات الرقمية والميدانية تؤكد أن قنبلة “سيكوميك” لن تكون مجرد عائق عابر في الحملة، بل قد تشكل فعليا المسمار الأخير الذي يدق في نعش كرسي البرلمان الذي يراهن عليه الأنصاري.
ومع اقتراب الموعد الانتخابي، يتحول هذا الملف الاجتماعي الثقيل من نزاع تجاري في أروقة المحاكم إلى اختبار أخلاقي وسياسي حقيقي. وبينما تطالب النيابة العامة والدفاع بتفعيل مقتضيات مدونة التجارة (لا سيما المواد 585 و738 و740) لتمديد مسطرة التصفية وتحميل المسيرين المتعاقبين مسؤولية النقص في الأصول ومتابعتهم بتهم التفالس وإساءة استعمال أموال الشركة، يبقى السؤال الأخير والفيصل: هل ينطلي منطق “السكريبت” والتوضيحات الانتخابية المتأخرة على وثائق وأرقام تؤكد المحاكم صحتها ويكشفها الدفاع للإعلام، أم أن الحقيقة والعدالة الاجتماعية للعمال ستظلان الحجر الأساس الذي تتهاوى أمامه كافة المبررات؟
(يبقى حق الرد والتوضيح مكفولا لكافة الأطراف المعنية وفق ما ينص عليه قانون الصحافة والنشر)