طنجة.. بيروقراطية المركز الجهوي للاستثمار تحبط المشاريع وتفاقم البطالة وتطرد استثمارات الجالية

تخوض جهة طنجة-تطوان-الحسيمة صراعا صامتا بين مؤهلات ترابية وسياحية استثنائية، وبين واقع إداري كبل قدرتها على خلق فرص الشغل. ففي الوقت الذي تتطلع فيه المنطقة للتحول إلى قطب اقتصادي دولي، تشير أحدث مؤشرات المندوبية السامية للتخطيط الخاصة بالفصل الثاني من سنة 2026 إلى بلوغ نسبة البطالة بالجهة 9.4%، ما يعني وجود عشرات الآلاف من الشباب والمجازين خارج الدورة الاقتصادية في منطقة يتعدى إجمالي سكانها أربعة ملايين نسمة.

وتتجلى المفارقة الكبرى بعمالة طنجة-أصيلة، التي تمتلك شريطا ساحليا ممتدا وعقارات إستراتيجية كان من المفترض أن تتحول إلى منتجعات سياحية ومشاريع فندقية كبرى كفيلة بامتصاص العاطلين عن العمل. غير أن هذه المؤهلات تصطدم بأداء المركز الجهوي للاستثمار، الذي يراه فاعلون اقتصاديون قد تحول من منصة لتسهيل المساطر وجذب رؤوس الأموال إلى حجر عثرة تغرق حاملي المشاريع في دوامة التعقيدات المسطرية البطينة. فالزمن الإداري المهدور في انتظار تراخيص المشاريع السياحية لا يعني مجرد تأخير أوراق، بل يتسبب في ضياع مئات فرص الشغل المباشرة وحرمان الجماعات الترابية من مداخيل ضريبية مهمة.

ولم يعد هذا القصور الإداري يقتصر على التأخر غير المبرر في معالجة الملفات والترخيص، بل امتد لغياب المواكبة التقنية والقانونية اللازمة لتحويل الأفكار الاستثمارية إلى مقاولات منتجة، ما يتسبب في إحباط روح المبادرة لدى المستثمرين الشباب، ويُجهض الفرص قبل ولادتها. وهو ما يستدعي فرض آليات افتحاص وتقييم جديدة لقياس أداء المركز بناء على عدد مناصب الشغل الفعلية المخلوقة على أرض الواقع، وليس فقط بحدود عدد الملفات والمعاملات الصادرة.

وكان من أشد تداعيات هذا النهج الإداري تأثيرا، تراجع استثمارات أبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج، فرغم المبادرات الوطنية والتوجهات الاستراتيجية الهادفة لربط رأس المال المغترب بالاقتصاد الوطني، يصطدم مغاربة العالم بالمنطقة بجدار من الجمود البيروقراطي وغياب التواصل الفعال، ما يدفع العديد منهم للانسحاب أو توجيه أموالهم نحو وجهات أخرى أكثر مرونة وتحفيزا. ولعلاج هذا الخلل، بات من الضروري إحداث مسار إداري سريع وشباك موحد استثنائي خاص بالمستثمرين من مغاربة العالم يتبع مباشرة لولاية الجهة لضمان حماية رؤوس أموالهم من المزاجية والبطء الإداري.

ولا يقتصر استمرار المركز الجهوي للاستثمار بطنجة في هذا النهج التدبيري العقيم فقط على تعطيل المشاريع، بل يساهم بشكل مباشر في رفع معدلات البطالة وإهدار مقدرات جهة بأكملها، مما يستدعي تدخلا عاجلا لإعادة هيكلة هذه المؤسسة لتواكب الدينامية التي يتطلبها اقتصاد المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *