قبل أن ترجموا “الفاسي”.. كيف سكب المكناسيون الزيت على نار التبخيس وجعلوا مدينتهم “حائطا قصيرا”؟

المستقل | فؤاد السعدي

عادت إلى الواجهة الإعلامية والرقمية مسألة تناول وضعية العاصمة الإسماعيلية مكناس من طرف صناع المحتوى والمؤثرين عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال الفيديو الأخير الذي بثه من يلقب بـ “الدكتور الشرايبي” بمناسبة زيارته للمدينة لحضور مهرجان “عيساوة.. مقامات وايقاعات عالمية”. وقد تحول هذا المحتوى في رمشة عين من تغطية لحدث ثقافي وتراثي إلى محاكمة تيكتوكية استعراضية أثارت موجة غضب عارمة بين أبناء المدينة والفعاليات المدنية الشريفة، فتحت باب النقاش على مصراعيه حول حدود النقد البناء وأخلاقيات التغطية الرقمية، وعرت خلفيات الصراع الإقليمي والتهميش الرمزي، فضلا عن إبراز الأثر السلبي لظاهرة جلد الذات المحلي في منح الذخيرة للغرباء للإساءة إلى سمعة المدينة وأوراشها المفتوحة.

تفاصيل هذه الواقعة تعود إلى استغلال المؤثر المذكور وجوده بمدينة مكناس لحضور الفعاليات التراثية، ليقوم بتصوير مشاهد من أزقة وشوارع خاضعة للتهيئة والصيانة، مسوقا للمدينة وكأنها تعيش في غياهب الظلام والحفر والأزبال، في وقت تكشف فيه القراءة المتأنية لهذا المحتوى عن انتقائية واضحة وركوبا صريحا على الموجة، خصوصا عندما تم التركيز الحصري على نقط الضعف الاستثنائية وتجاهل حركة الأشغال وإصلاح البنيات التحتية التي تشهدها مكناس حاليا. والهدف ببساطة تحويل اسم هذه المدينة التاريخية إلى منصة سهلة لصناعة الجدل والوصول إلى أرقام تفاعل عالية، عبر الاستعراض المباشر والتباكي على الأوضاع، دون امتلاك النزاهة الفكرية للحديث عن الأوراش القائمة أو نقل الصورة الميدانية بجميع جوانبها بكل موضوعية وأمانة.

وقد خلفت خرجة من يلقب بـ “الدكتور الشرايبي” موجة من ردود الفعل المتباينة والأصداء المتضاربة داخل الأوساط المحلية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، فبينما اعتبرها البعض مجرد تعبير عن حرقة زائر أو وجهة نظر فردية حول وضعية بعض المسالك، نظر إليها قطاع واسع من الفاعلين والرأي العام المكناسي بعين التوجس والرفض القاطع. ولم تخل هذه الردود الغاضبة من إشارات صريحة إلى البعد التاريخي والجغرافي الممتد في العلاقات بين قطبي الجهة فاس ومكناس، حيث اعتبر العديد من المتابعين أن تركيز ابن مدينة فاس على مكناس، في الوقت الذي تشهد فيه أحياء وأزقة مدينته مشاكل تنموية وتراكمات للأزبال وتعثرات مشابهة، يعكس نوعا من “تقطار السم في العسل” ونزوعا غير معلن نحو احتكار المشهد. وما يعزز هذا الطرح ويفتح الباب أمام أكثر من علامة استفهام حول خلفيات هذا التوقيت بالذات، أن هذه الهجمة الرقمية تتزامن مع الطفرة النوعية والنجاح التنظيمي الباهر الذي يشهده مهرجان عيساوة بمكناس، والذي أصبح يفرض نفسه كوجهة ثقافية قائمة بذاتها في مقابل تراجع بعض الفعاليات المجاورة كمهرجان الموسيقى الروحية، وهو ما قرأه المكناسيون كحالة من الانزعاج غير المعلن تجاه استعادة العاصمة الإسماعيلية لبريقها، ومحاولة لبخس هذا الإشعاع عبر تسليط الضوء على نقط التعثر العمرانية التي تعد مسألة مؤقتة وطبيعية في كل أوراش التحديث.

غير أنه وبغض النظر عن هذا التصدي للمحتوى الدخيل الوافد من الخارج، ينصرف التحليل السوسيولوجي لهذه النازلة إلى ملامسة مكامن الخلل الأشد عمقا داخل المنظومة التواصلية والمجتمعية للمكناسيين، والتي تتجلى في شريحة من أبناء المدينة أنفسهم الذين لا يتوانون عن “جلد مدينتهم” ونشر السوداوية في كل مناسبة. فعندما يغرق بعض المدونين المحليين صفحات التواصل بعبارات التبخيس وتصوير المدينة كبؤرة للبؤس، فهم يمنحون عن غير قصد شرعية أخلاقية وتغطية جاهزة لأي متطفل من الخارج للركوب على هذه المادة الخام والادعاء بأنه ينقل صوت المظلومين. وهو السلوك الذي يحول ظاهرة النقد العشوائي القائم على الحرقة غير المنضبطة إلى ثغرة تستغلها الأطراف الخارجية، ليصبح السؤال المطروح بحدة، إذا كان أبناء الدار يسيئون لسمعة مدينتهم ويجهضون التحولات الإيجابية، فماذا تركوا للغرباء وصناع “البوز”؟

وأمام هذا النزيف الإعلامي والافتراضي، لم تعد سياسة الصمت أو التفرج أو الحياد الصامت من طرف الفعاليات المدنية الشريفة والغيورين على الشأن المحلي مقبولة شكلا ومضمونا، على اعتبار أن حماية الدينامية التنموية والمكتسبات الميدانية المقترنة بجهود السلطات المحلية أضحت واجبا مواطنا يستوجب ردع ثقافة التبخيس بالدليل والبرهان الميداني، وتفويت الفرصة على كوابح التنمية التي تريد إبقاء مكناس رهينة الماضي.

وبالتالى فالرد الأمثل على هذا النزيف الفكري لا يكون بالتفاهات، بل بتثمين المجهودات الميدانية والتلاحم حول دينامية المدينة الجديدة، ليظل النجاح الباهر لمهرجان عيساوة القوة الميدانية الحقيقية التي تدحض أقاويل أعداء النجاح، وتؤكد أن قطار التنمية بمدينة مكناس قد انطلق بالفعل ولن تتوقف عجلة إشراقه لإرضاء هواة البكاء على الأطلال.

اليوم، المسألة تتعدى مجرد رد الفعل السطحي على خرجات الإعلام الرقمي الوافد، على اعتبار أن العتاب الأول والأشد مرارة يضل موجها نحو أبناء مكناس أنفسهم بسبب سوء تقديرهم الفادح لتبعات جلد الذات المستمر. فمن الإجحاف التظاهر بالصدمة أمام نفث الوافدين لسمومهم في شوارع العاصمة الإسماعيلية، في الوقت الذي كان فيه بعض المنتسبين للمدينة هم أول من هيأ الزيت وسكبها بسخاء على النار ليشتعل حطب التبخيس. وما يجب أن يعيه أعداء النجاح أن هذا الإسراف في الشكوى ونشر الانطباعات السوداوية لا يخدم ملفات الإصلاح بقدر ما يمنح الخصوم والمتربصين التبرير الأخلاقي للإساءة، بل والأخطر من ذلك أنه يبعث برسالة حارقة وقاتلة إلى القائمين على تدبير القطاعات التنموية والاستثمارية، مفادها أن أي جهود تبذل في مكناس ستصطدم جدار جحود محلي ينكر المنشآت ويحارب النجاح الميداني. فالإصرار على تقديم المدينة للمسؤولين والرأي العام كخرابة لا يرى أهلها فيها أملا للتغيير، هو سلوك يحبط عزائم الشركاء ويقطع دابر الفرص التنموية القادمة، ليصبح هذا الأسلوب العشوائي في الاحتجاج مشاركة في إعدام الإشعاع التاريخي لمكناس، وتحويلا إراديا لرمزيتها التاريخية إلى حائط قصير يستسهل العابرون صناعة الشهرة على حسابه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *