بين أسنان ديناصورات وجماجم شهداء الجزائر.. عندما تفضح المرونة المغربية عقم الشعارات “الكرغولية”

المستقل | فؤاد السعدي
دخل المغرب وفرنسا مؤخرا في تنسيق قانوني هادئ أسفر عن استعادة المملكة لشحنة ضخمة من الحفريات والمستحثات الجيولوجية النادرة، التي تعود لعصور غابرة، بعد أن نجحت الجمارك الفرنسية في ضبطها بمدينة “منتون” الحدودية. حدث قد يبدو في ظاهره تقنيا أو علميا صرفا، لكنه في عمق السياسة الإقليمية يوجه صفعة مدوية ومباشرة لطروحات الجارة الشرقية، ويتحول إلى مادة دسمة للتهكم على شعارات “النيفو العالي” التي تبخرت أمام واقعية الدبلوماسية المغربية.
المفارقة هنا تدعو للسخرية والـتأمل في آن واحد، فبينما تحركت الماكينة الدبلوماسية والقانونية المغربية بسلاسة ومرونة، مستغلة الاتفاقيات الدولية لتسترد “أسنان ديناصورات” وزواحف منقرضة حماية لسيادتها التراثية، تقف السلطات الجزائرية عاجزة، ومطأطأة الرأس، أمام استرداد جماجم شهدائها ومقاوميها الذين لا زالوا محتجزين خلف جدران “متحف الإنسان” بباريس، ويعرضون كقطع أثرية في قلب عاصمة الأنوار. هذا العجز الفاضح يؤكد كيف نجحت باريس في ترويض جارتنا الشرقية، ممرغة أنف النظام الجزائري في التراب لكونها القوة الأكثر معرفة بأساليبه الوسخة، والأدرى بكواليس وخبايا صناع القرار في قصر المرادية.
وتكمن قوة هذه الضربة السياسية في تعرية الخطاب البروباغاندي للنظام الجزائري، الذي طالما صدع رؤوسنا بشعارات “السيادة المطلقة” ومقاطعة المستعمر القديم والندية في التعامل مع قصر الإليزيه. لكن عند المحك الحقيقي، يكتشف الجميع أن هذا الضجيج الإعلامي ليس إلا ظاهرة صوتية لا أقل ولا أكثر، ففرنسا التي تسلم المغرب ثرواته الطبيعية المهربة بكل احترام ودون تعقيدات، هي نفسها فرنسا التي تمارس الابتزاز السياسي والتشريعي على الجزائر، وترفض تسليمها رفات بشرية وصفتها في بعض المساطر القانونية بأنها مجرد إعارة مؤقتة، في إهانة صريحة لتاريخ شعب يدعي نظامه الحاكم أنه يقود القارة الإفريقية. وهنا يظهر حجم السخرية في ادعاءات تلك “القوة التي لا تقهر بإفريقيا”، حسب تعبير أبواقها، وهي تجد نفسها اليوم مذلولة أمام الإليزيه ولا تجرؤ حتى على الكلام، بعد أن تلاشت عنتريتها الفارغة وتحولت تلك الظاهرة الصوتية إلى أضحوكة تتندر بها الصالونات الدبلوماسية في العالم.
وذروة هذا الإذلال السياسي والقانوني يتجلى في فخ الإعارة الذي سقط فيه النظام الجزائري، فبينما يسترد المغرب حفرياته بنقل ملكية نهائي وصريح باعتباره المالك الشرعي والأوحد، وافق قصر المرادية باستلام رفات مقاوليه تحت غطاء قانوني فرنسي مهين يصنف العملية كـ”إعارة مؤقتة” خاضعة لسيادة المتاحف الفرنسية، مما يوضح أن باريس نجحت في تحويل عظام الشهداء إلى ورقة ابتزاز سياسي ذات تاريخ صلاحية محدد، وسط صمت مطبق من نظام يخشى حتى التلميح بخرق شروط هذه الإعارة الفاضحة.
اليوم يؤكد استعادة المغرب لحفرياته بهدوء الكبار، وفي إطار اتفاقيات دولية مضبوطة، أن السيادة يتم انتزاعها بالحنكة القانونية والعمل المؤسساتي الصامت، وليس بالصراخ وعقد العقد التاريخية المزمنة. هذا التباين الشاسع يمثل تفوقا استراتيجيا مغربيا يثبت كيف يدار صراع المصالح بحكمة الكبار، في الوقت الذي يستمر فيه الجوار في استهلاك الأوهام وتسويق انتصارات وهمية لا توجد إلا في مخيلة إعلامهم العسكري. ويبدو أن على قصر المرادية اليوم أن يأخذ دروسا خصوصية من الرباط، ليس فقط في كيفية إدارة الملفات الكبرى وتنويع الشركاء، بل في كيفية إقناع “ماما فرنسا” بفتح الأبواب المغلقة، لعلهم يفلحون يوما في استعادة كرامة شهدائهم، بدلا من التباكي المستمر على أطلال التاريخ بينما المغرب يسترد الأخضر واليابس بما فيها أسنان الديناصورات المنقرضة.
وأمام هذا المشهد السريالي، تفرض الأسئلة الحارقة نفسها لتقض مضجع جنرالات المرادية، هل يملك هذا النظام الجرأة فعلا لرفع رأسه أمام إيمانويل ماكرون والمطالبة بندية حقيقية، أم أن العنتريات الفارغة مجرد بضاعة رخيصة وصكوك غفران تباع للاستهلاك الداخلي وتدجين الشعب المغلوب على أمره؟ وإلى متى ستظل “الأنفة” الجزائرية المزعومة شعارا يتبخر عند أول تأشيرة دخول أو إشارة رضى من الإليزيه، ليظل الفارق شاسعا بين دولة تنتزع حقوقها وتاريخها بالسيادة الفعلية، ونظام يقتات على الضجيج بينما يذل في الكواليس؟