رخص النقل بوزارة قيوح.. اتهامات بالتسييس والمحسوبية تعصف بوعود المعالجة السريعة

بين لغة الأرقام الوردية التي يتم تسويقها تحت قبة البرلمان وبين واقع البيروقراطية “المسيسة” في ردهات وزارة النقل واللوجيستيك، جدار سميك من الإحباط يواجهه مغاربة الهامش والمستثمرون الصغار في قطاع النقل حيث لم يتردد وزير النقل واللوجيستيك، عبد الصمد قيوح، في جوابه الأخير على أسئلة نواب الأمة بمجلس النواب، زعم من خلالها أن ملفات النقل المزدوج يتم عرضها على اللجنة المختصة يتم البت فيها وتصفيتها في ظرف أسبوع واحد لا غير، وهي تصريحات تثير السخرية بقدر ما تثير الغضب، بالنظر إلى واقع الحال الذي يفضح معالجة انتقائية تسير بسرعتين متناقضين تخدم فئة ذوي الحظوة وتترك الملفات الحيوية للمهنيين عرضة للضياع والنسيان.
وإذا كان صحيحا أن تولي عبد الصمد قيوح حقيبة النقل واللوجيستيك قد حرك بعض المياه الراكدة والملفات الجامدة كما يزعم البعض، فإن السؤال الحارق واللاذع الذي يطرح نفسه هنا بقوة يتجلى في كنه وطبيعة تلك الملفات التي يتم تحريكها حيث تؤكد المعطيات الميدانية والتقارير القادمة من كواليس الوزارة أن عجلة الإدارة لم تدر وتتحرك إلا لخدمة الملفات المسنودة بالتوصيات النافذة، وتلك المدعومة بـ”المكالمات الهاتفية الفوقية”، فضلا عن ملفات المقربين منه وأعضاء حزب الوزير وعشيرته السياسية ممن تم قضاء مآربهم على عجل بفضل تدخلات سياسوية واضحة، في حين قدر لملفات المواطنين البسطاء والمهنيين الأحرار الذين لا يملكون ظهرا يحميهم أو انتماء سياسيا يشفع لهم، أن تبقى على حالها منسية تحت غبار الرفوف في دهاليز الوزارة لسنوات طوال، في تكريس صارخ لمنطق استغلال النفوذ والمحسوبية وضدا على مبادئ تكافؤ الفرص والحياد التي يفترض أن تطبع عمل المرفق العمومي.
فتفكيك طبيعة هذه الملفات المحتجزة والمكدسة في رفوف الوزارة لأزيد من 7 سنوات يكشف عن مأساة حقيقية تمس عصب الاقتصاد المعيشي لآلاف العائلات، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد أوراق إدارية جافة، بل بقرارات مصيرية معطلة ومجمدة تهم التجديد السباعي لقرارات النقل، وملفات التحويل، وصولا إلى قضايا التفويت عن طريق الإراثة التي تهم عائلات وأرامل مهنيين متوفين وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها دون مصدر رزق بسبب تماطل الإدارة في نقل رخص ذويهم وتأخر البت فيها، والنموذج ملف الموريطانيين الذي ظل عالقا لسنوات دون البث فيه لا بالحل زلا بالرفض، لتتبخر شعارات الرقمنة وتحديث الإدارة التي تتبجح بها الوزارة وتتحول إلى ركام أمام عتبة الواقع المرير الذي حول رخص التفويت والإراثة المعتقلة في الرفوف إلى حكم بالإعدام الاجتماعي على أسر المهنيين البسطاء.
وفي المقابل، يسجل المهنيون باستغراب شديد كيف تتم معالجة ملفات أخرى بسرعة البرق الخاطف لذوي الحظوة والنفوذ، حيث تتحرك الهواتف والتوصيات السياسية لتفويت الرخص، وتغيير المواقيت لتناسب مصالح كبار المستثمرين واللوبيات الموالية في عملية سطو واضحة على حقوق صغار المهنيين واحتكار للخطوط المربحة، هذا التسييس الفج لقطاع حيوي كالنقل يضرب في العمق مصداقية اللجنة الثنائية المكلفة بالبت في هذه الملفات، ويحيط بعمل الإدارة بظلال كثيفة من الشك والريبة حول غياب الشفافية واعتماد معايير ريعية لا تأخذ بعين الاعتبار الأقدمية والتراتبية الزمنية للملفات، ناهيك عما يرافق ذلك من تراجع كبير ومهول في الكفاءات داخل الإدارة وفي إعداد وتدبير الملفات المعروضة.
وما يفضح زيف الادعاء الوزاري حول معالجة وتصفية الملفات في غضون أسبوع واحد، هو العقم والتعطل الإداري الذي تعيش على إيقاعه اللجان الفنية، فاللجنة المعنية التي انعقدت يوم الخميس الماضي مثلا لم تبت طيلة دورة كاملة إلا في ملف واحد فريد، مما يمثل دليلا ساطعا يفند كلام الوزير ويؤكد تراجع الكفاءة الإدارية وتدني المردودية بشكل غير مسبوق، ليظل التساؤل حارقا حول هذا التناقض الصارخ، كيف للجنة تعجز عن البت في أكثر من ملف واحد في الأسبوع أن تلتزم بتصفية مئات الملفات المتراكمة من تجديد سباعي وغيرها؟ إن هذا الشلل التدبيري المتعمد لا يعكس فقط ضعف الكفاءة وغياب الرؤية لتأهيل قطاع النقل، بل يكشف عن رغبة دفينة في إبقاء ملفات النقل رهينة للولاءات والمحسوبية السياسية، وتحويل الرخص وتعديل المواقيت إلى “أعطيات” حزبية يتم توزيعها في كواليس الوزارة تحت الطاولة ضدا على مصالح المواطنين وبسطاء المهنيين.