رحلة للمثليين تنطلق من جدة.. هل تعيد السعودية رسم صورة الانفتاح قبل مونديال 2034؟

في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة، أعلنت شركة الرحلات البحرية الأميركية «فاكايا»، المتخصصة في تنظيم رحلات سياحية تستهدف بالأساس أفراد مجتمع الميم، عن إطلاق رحلة بحرية تحمل اسم «الليالي العربية» تنطلق من مدينة جدة السعودية خلال ربيع عام 2027.

ودعت الشركة زبناءها إلى المشاركة فيما اعتبرته «فرصة لصناعة التاريخ»، في إشارة إلى انطلاق رحلة موجهة لهذه الفئة من ميناء سعودي للمرة الأولى، وهو ما أثار نقاشا واسعا بشأن التحولات الاجتماعية التي تشهدها المملكة خلال السنوات الأخيرة.

وتأتي هذه المبادرة في سياق توجه سعودي متزايد نحو تعزيز الانفتاح السياحي والاقتصادي، تزامنا مع استعداد المملكة لاستضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم سنة 2034، وسعيها إلى ترسيخ صورة أكثر انفتاحا على الساحة الدولية.

ومنذ إطلاق «رؤية السعودية 2030»، شهدت المملكة سلسلة من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، شملت السماح للنساء بقيادة السيارات، وتقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إضافة إلى توسيع القطاع السياحي واستقبال الزوار من مختلف أنحاء العالم.

ورغم هذه التحولات، فإن تنظيم رحلة بحرية موجهة إلى أفراد مجتمع الميم، تنطلق من ميناء جدة بعد وصول المشاركين إليها جوا، يمثل سابقة في المشهد السياحي السعودي.

وأشارت شركة «فاكايا» في رسالة موجهة لزبنائها إلى أن زيارة المملكة كانت، بالنسبة لكثير من أفراد مجتمع الميم، أمرا يصعب تصوره خلال العقود الماضية، معتبرة أن المملكة تشهد «تحولا هادئا لكنه لافت» بالتزامن مع جهودها لتنويع اقتصادها وتعزيز حضورها الدولي قبل استضافة كأس العالم.

ومن المقرر أن تنطلق الرحلة بين 28 مارس و7 أبريل 2027، على أن تربط بين جدة والعين السخنة المصرية، مع التوقف في عدد من الوجهات الإقليمية، من بينها موانئ في الأردن وإسرائيل.

وتتراوح أسعار الرحلة بين نحو 9900 و57 ألف دولار أميركي، بحسب نوع الإقامة والخدمات المقدمة على متن السفينة.

كما تتضمن الرحلة برنامجا سياحيا يتيح للمشاركين استكشاف معالم جدة، بما في ذلك منطقة «البلد» التاريخية المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، إضافة إلى الواجهة البحرية وعدد من المواقع السياحية الأخرى.

بين الانفتاح السياحي والمحافظة الاجتماعية

يستند النظام القانوني السعودي إلى أحكام الشريعة الإسلامية التي تحظر العلاقات المثلية، ولا يتضمن التشريع السعودي قانونا جنائيا موحدا ينظم هذه المسألة بشكل صريح ومفصل.

وتشير منظمات حقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية، إلى أن العقوبات المرتبطة بالعلاقات المثلية قد تصل نظريا إلى الإعدام في بعض الحالات، رغم عدم توثيق المنظمة لحالات إعدام حديثة جرى تنفيذها لهذا السبب وحده.

وأعاد الإعلان عن الرحلة إلى الواجهة النقاش حول طبيعة الانفتاح الذي تشهده المملكة وحدوده، خاصة في ظل اقتراب موعد تنظيم كأس العالم 2034، وما إذا كانت الرياض تسعى إلى توجيه رسائل طمأنة إلى الزوار الأجانب، بمن فيهم أفراد مجتمع الميم.

ويرى منتقدون أن السياسات الانفتاحية في السعودية تُطبق بوتيرتين مختلفتين؛ إحداهما موجهة للزوار والمستثمرين الأجانب، والأخرى مخصصة للمجتمع المحلي الذي ما تزال تطبق عليه قيود اجتماعية ودينية أكثر صرامة.

وفي هذا السياق، قال الناشط السعودي طارق عزيز إن المملكة تبدو وكأنها «تعيش بنسختين متوازيتين»، موضحا أن هناك «مساحة أكبر من التسامح والانفتاح موجهة للأجانب، مقابل واقع داخلي أكثر محافظة بالنسبة للمواطنين السعوديين».

وكان عزيز، وهو محام وناشط حقوقي يقيم حاليا في الولايات المتحدة، قد تعرض للاعتقال سابقا بسبب منشورات على منصة «تويتر» سابقا، اعتُبرت مخالفة للنظام العام والقيم الدينية والأخلاقية، وفقا لما ذكرته منظمة القسط لحقوق الإنسان.

الموقف الرسمي: الترحيب بالجميع مع احترام القوانين المحلية

وبخصوص استقبال الزوار من أفراد مجتمع الميم، تؤكد الجهات الرسمية السعودية أن المملكة ترحب بجميع الزوار دون مطالبتهم بالإفصاح عن حياتهم الخاصة أو ميولهم الشخصية، مع التشديد في المقابل على ضرورة احترام القوانين المحلية والعادات والتقاليد السائدة في البلاد.

ويعد هذا الموقف هو ذاته الذي دأبت السلطات السعودية على تكراره ردا على الأسئلة المرتبطة باستقبال مشجعي مجتمع الميم خلال بطولة كأس العالم 2034.

هامش اجتماعي محدود

ويرى بعض المراقبين أن السلطات السعودية تتبنى مقاربة تقوم على عدم التدخل في الحياة الخاصة للأفراد ما دامت بعيدة عن المجال العام، في حين قد يؤدي التعبير العلني عن المواقف أو المطالب المرتبطة بحقوق مجتمع الميم إلى ملاحقات قانونية.

وفي هذا الإطار، تؤكد الباحثة في منظمة العفو الدولية دانا أحمد أن الدفاع العلني عن حقوق مجتمع الميم قد يؤدي إلى عقوبات سالبة للحرية، مشيرة إلى أن آخر القضايا التي وثقتها المنظمة خلال السنوات الأخيرة ارتبطت أساسا بحرية التعبير والنشاط الحقوقي، أكثر من ارتباطها بحملات استهداف مباشرة للمثليين بسبب ميولهم الجنسية.

كما يرى ناشطون حقوقيون أن أفراد مجتمع الميم داخل السعودية ما يزالون يواجهون تحديات مرتبطة بالتمثيل والحماية القانونية، مطالبين بإرساء ضمانات قانونية تكفل حمايتهم من التمييز وخطابات الكراهية والاضطهاد.

وبين الرغبة في تعزيز جاذبية المملكة كوجهة سياحية عالمية والمحافظة على الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمجتمع السعودي، تبدو الرياض أمام معادلة دقيقة ستزداد تعقيدا مع اقتراب موعد استضافة كأس العالم 2034، وما سيرافقه من اهتمام دولي متزايد بملف الحريات الفردية وحقوق الإنسان في المملكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *