حزب الاستقلال.. عندما يتحدى “ريع الوراثة” إرادة الدولة في تخليق الحياة العامة

المستقل | فؤاد السعدي

في الوقت الذي تواجه فيه الدولة المغربية اليوم معركة حاسمة وصارمة للقطع مع كافة أشكال الفساد والريع، وتعمل جاهدة عبر مؤسساتها على تخليق الحياة العامة وفرض معايير الكفاءة والاستحقاق لتطهير المشهد العام، غير مبالية بمقاومة بعض الكيانات السياسية، يصر حزب الاستقلال، الذي يفترض فيه أن يكون نموذجا يحتذى به في إرساء الديمقراطية وتأطير المواطنين، على السير في الاتجاه المعاكس تماما، مكرسا ممارسات بائدة تسعى بستخفاف إلى تسطيح العمل السياسي وتقزيمه، والدخول في حالة من الاحتقان الداخلي الحاد والنزيف الهيكلي الذي بات يهدد جاهزيته السياسية على بعد أشهر معدودة من استحقاقات 23 شتنبر 2026.

ولم يكن الإعلان عن التشكيلة الجديدة للمكتب التنفيذي لمنظمة الشبيبة الاستقلالية، المنبثقة عن مؤتمر يوليوز 2026، حدثا تنظيميا بقدر ما كان خطيئة سياسية مكتملة الأركان صدمت الرأي العام، وعكست استمرار مسلسل الهفوات التنظيمية التي لم تعد مقتصرة على فصيل دون آخر، بل تمددت كالبقعة لتطال اللجنة التنفيذية، والاتحاد العام للشغالين، وحتى مؤتمر المرأة المرتقب. فرغم محاولات التغليف بشعارات التوافق والتمثيلية الجهوية تحت قيادة الكاتب العام منصور لمباركي، جاءت اللائحة المنبثقة عما يمكن تسميته بـ”المؤتمر فاست فود”، لتؤكد أن القيادة استرخصت عقول المغاربة، ودشنت عملية إنزال مكشوفة لجيل جديد من أبناء وعائلات الأعيان والنافذين من طينة لالة هند ولد الرشيد، ومروى الأنصاري، وزكرياء مضيان، واليزيد قيوح، والبشير أبا.

هذا الإنزال الفج يعري حقيقة مقززة تتمثل في بسط الآباء نفوذهم على رقاب الحزب الأم، وإدارتهم للكواليس لتعبيد الطريق أمام الأبناء للسيطرة على الشبيبة، حيث لم نعد أمام لائحة كفاءات شبابية، بل أمام صك توزيع طبقي يقسم النفوذ بدم بارد بين ثلاث فئات لا رابع لها، أبناء أعضاء اللجنة التنفيذية، وسلالة المفتشين المحظوظين، والمقربين من الدائرة الضيقة للأمين العام ومساعديه. هذا التحكم الفج يؤكد المخاوف المشروعة لمناضلي القواعد من تحول هذا التنظيم التاريخي، الذي كانت قوته نابعة من قلاعه وهياكله الميدانية، إلى مجرد حزب عائلي محدود المسؤولية، تدبر فيه الهياكل بعقلية تدبير التركات والإرث لا بعقلية العمل الحزبي النبيل.

وتكمن خطورة هذا النهج في تحويل منظمة شبابية عريقة من معقل للنضال والفكر، إلى مجرد مشتل للتربية على الريع ومحطة تدريبية مكيفة لتلميع سير ذاتية فارغة من أي رصيد ميداني، تمهيدا لفرضهم ضدا على إرادة القواعد في لوائح الانتخابات التشريعية، وتحويل قبة البرلمان الدستورية إلى مجرد امتداد تافه لصالوناتهم العائلية المغلقة. ولعل موجة الاستياء العارمة وسيل الاستقالات الافتراضية والفعلية المتداولة بين جدران منصات التواصل الاجتماعي، ليست سوى انعكاس لرفض جيل بأكمله الاستسلام لهذا الإقطاع السياسي الذي يستفز ذكاء المغاربة.

إننا اليوم أمام عملية صناعة ممنهجة لجيل من “نخب الأنابيب” أو “شباب الصالونات المكيفة”، هؤلاء الأبناء الذين درسوا في المعاهد الدولية وباتوا يقفزون مباشرة إلى القيادة دون أن تطأ أقدامهم يوما مقرا حزبيا بائسا في الهوامش، ودون أن يلامسوا هموم الشعب أو يعرفوا مرارة العمل الميداني. هذا الفرز النخبوي المشوه يمثل طعنة مسددة لجهود الدولة في التحديث والاصلاح، ويقطع الطريق عمدا أمام شباب المداشر والجامعات الكادحين الذين يملكون الكفاءة والشرعية النضالية، ليجدوا أنفسهم مقصيين لغياب روابط الدم ونفوذ المال والقرابة.

ويتجلى هذا الإقصاء بأبشع صوره في هندسة الجغرافيا الحزبية الجديدة، إذ كيف يمكن تبرير حرمان فروع وأقاليم بامتلاكها لتاريخ نضالي طويل من أي تمثيلية داخل المكتب التنفيذي، في مقابل منح تمثيلية مكثفة ومشحونة بالمحسوبية لأقاليم أخرى؟ ولنا في المفارقة الصارخة لأحد الفروع الحضرية خير دليل، فرع يضم سبعة فروع صورية لا تتوفر أصلا ومنذ سنوات على مكتب قانوني شرعي للشبيبة، ومع ذلك تتم مكافئته بأربعة مقاعد كاملة في ضرب واضح لمنطق الاستحقاق والتنافس الشريف.

ومن وسط هذا الانغلاق يبرز التناقض الصارخ، ففي الوقت الذي ترفع فيه قيادات هذا الحزب عقيرتها في المحافل الحكومية بشعارات الدولة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والارتقاء الطبقي، نراهم يمارسون في قلاعهم الحزبية أبشع صور الطبقية السياسية. والنتيجة الحتمية لمصعد القرابة هذا هي إضعاف هيبة المؤسسة التشريعية وتسطيح النقاش البرلماني، ذلك أن الوصول إلى مقاعد التشريع بالوراثة ينتج نوابا بلا موهبة خطابية، وبلا مواقف، وبلا قدرة على الترافع، ليتحولوا في النهاية إلى مجرد أرقام صامتة لتأثيث الجلسات ورفع الأيدي عند التصويت.

هذا التحدي السافر لتوجهات الدولة الرامية إلى بث روح جديدة في المؤسسات، وهذا الإصرار على تجديد نخب الريع، هو المسؤول الأول والوقود الحقيقي الذي يغذي ظاهرة العزوف السياسي لدى الشباب المغربي ويعمق أزمة الثقة في المنظومة الحزبية ككل. وإذا لم تلتفت القيادة الحالية إلى صرخات قواعدها وتعود إلى جادة قوانينها لتصحيح هذه الاختلالات البنيوية وإعادة الاعتبار للمناضل الميداني، فإنها تسير بالحزب نحو انتحار سياسي محقق في محطة منح التزكيات المقبلة. لم يعد القطع النهائي مع هذا الريع السياسي المقيت مجرد ترف فكري، بل هو معركة وجودية لإنقاذ السياسة من يد من يريد تحويلها إلى إرث عائلي ضدا على منطق التاريخ وإرادة الإصلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *