أربعة مرشحين وكرسي واحد.. مخاض عسير داخل حزب “الحصان” بمكناس

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقررة في شتنبر القادم، ودخول المشهد السياسي المغربي مرحلة العد العكسي، سارعت أغلب الهيئات السياسية الوازنة إلى كشف أوراقها وحسم هوية مرشحيها في مختلف الدوائر؛ حيث شارفت أحزاب التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، العدالة والتنمية، والحركة الشعبية، التقدم والاشتراكية، والاتحاد الاشتراكي، على إنهاء ترتيباتها الداخلية، في حين لا يزال الترقب والغموض سيد الموقف داخل قلاع وحواضر حزبي الاستقلال والاتحاد الدستوري بالعاصمة الإسماعيلية.
وتتجه الأنظار بشغف إلى دائرة مكناس، التي يصنفها العديد من المهتمين بالشأن الانتخابي بـ”دائرة الموت”، بالنظر إلى حجم المنافسة الشرسة والوزن الثقيل للمرشحين الذين سيتنافسون على ظفر ستة مقاعد برلمانية مخصصة للإقليم، وهو الوضع الذي جعل مخاض التزكيات يتجاوز التنافس العادي إلى صراع كسر عظام صامت، وسط تساؤلات حارقة حول ما إذا كان الاختيار النهائي سيخضع للتوافق الفوقي أم سيُترك للقواعد الحزبية لتحديد حسمها الفاصل.
داخل بيت حزب الاستقلال، تنحصر المنافسة وتشتد حالة الترقب بين اسمين بارزين هما مروى الأنصاري والحسين اليماني. ويتحرك هذا الثنائي في سياق يكتسي أبعادا بالغة الحساسية، فالنائبة البرلمانية الحالية مروى الأنصاري تمثل امتدادا عائليا وإرثا سياسيا وازنا بالجهة، مما يمنح ترشيحها ثقلا كبيرا ودعما بارزا، في مقابل طموح مشروع يمثله الحسين اليماني المستند إلى القواعد والعمل الميداني، وهو ما يضع قيادة “الميزان” أمام معادلة دقيقة للموازنة بين شرعية الامتداد وشرعية القواعد.
أما في البيت البرتقالي لحزب الاتحاد الدستوري، فإن الوضع يبدو أكثر تعقيدا وتشابكا، حيث تحولت كواليس الحزب إلى ما يشبه حقل ألغام سياسي بفعل التطورات القانونية الأخيرة المرتبطة بقانون التنافي. فبعدما اضطر عباس الومغاري رئيس جماعة مكناس وعضو المكتب السياسي) للحزب لتقديم استقالته من مجلس النواب التزاما بمقتضيات حالة التنافي التي فرضت عليه الاختيار بين البرلمان ورئاسة الجماعة، فتح التراجع القانوني الأخير الباب مجددا أمام إمكانية عودته للمنافسة البرلمانية.
هذا التراجع القانوني بعثر حسابات “الحصان” في مكناس بشكل كلي، ففي الفترة التي تلت استقالة الومغاري، برز اسم الدكتور فريد بواحي نائب رئيس مجلس العمالة وعضو المكتب السياسي أيضا كمرشح فوق العادة والاسم الأبرز لقيادة سفينة الاتحاد الدستوري في الاستحقاقات المقبلة. ومع عودة الومغاري إلى دائرة الضوء، يجد الحزب نفسه أمام أربعة ترشيحات ثقيلة ومتقاربة الحظوظ، تشتمل أيضا على النائب البرلماني الحالي خالد الطويل ورئيس جماعة أيت ولال، ورؤوف الإسماعيلي ورئيس جماعة المشور الستينية.
ويضع هذا التعدد قادة “الحصان” أمام حرج حقيقي، فهل يلجأ الحزب لتفعيل مبدأ تدوير الترشيح وإتاحة الفرصة لدماء جديدة لتفادي الجمود التنظيمي، خاصة وأن الكرسي البرلماني مر منه سابقا كل من الومغاري والطويل، مما قد يمنح التأشيرة للدكتور فريد بواحي أو رؤوف الإسماعيلي؟ أم أن الحزب سيذعن للأمر الواقع ويخضع الاختيار للقواعد؟
الخطورة في هذه المعادلة الانتخابية بـ”دائرة الموت” بمكناس تكمن في أن عدم نيل التزكية لا يعني بالضرورة الاستسلام، فالأسماء المستبعدة في كلا الحزبين (الاستقلال والدستوري) هي قامات انتخابية تملك خزانات تصويتية ثابتة وقواعد وفية، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريو التجوال السياسي والانشقاقات الفجائية. فالمرشح الذي قد يرفض طلبه في ربع الساعة الأخير، قد يجد نفسه مدفوعا لتغيير لونه الحزبي والالتحاق بهيئات أخرى لم تحسم لوائحها بعد، مما يهدد ببعثرة الخريطة السياسية في مكناس بأكملها وإعادة ترتيب موازين القوى بشكل غير متوقع.