بخلفية حزبية وتضارب المصالح.. إطار نقابي بتطوان يتحول إلى أداة لتبخيس مستشفى التخصصات الجديد

بعد سنوات طويلة من الانتظار، بدأ المستشفى الجهوي الجديد للتخصصات بتطوان تقديم خدماته للمواطنين، ليكون إضافة قوية وبداية عهد جديد للقطاع الصحي بالإقليم. هذا المشروع الملكي الكبير، الذي رصدت له الدولة ميزانية ضخمة تجاوزت 80 مليار سنتيم، كان الهدف منه هو تحسين الخدمات الطبية، وتغيير الصورة النمطية القديمة، وإعادة بناء جسور الثقة بين المواطن والمستشفى العمومي. لكن هذا الصرح الطبي المميز، وبدل أن يركز الجميع على نجاحه، تحول فجأة وبشكل غريب إلى ساحة لاحتجاجات واعتصام مفتوح مع مبيت ليلي دام ستة ايام متتالية، في نقاش حاد يخلط بشكل واضح بين المطالب المهنية والمصالح السياسية والفئوية الضيقة.

وعندما نتأمل خلفيات هذا التحرك وتوقيته، يظهر بوضوح كيف تم استغلال الغطاء النقابي لمركزية عريقة ومحترمة، طالما عرفت بمواقفها الشجاعة والمسؤولة في نصرة الحق والدفاع عن مهنيي الصحة. غير أن الخطورة تكمن في لجوء هذا الإطار النقابي بعينه إلى الركوب على هذا الرصيد النضالي الشريف، لتحويل أسلوب “لي ذراع الإدارة” وافتعال الصخب إلى وسيلة تخدم أجندته الشخصية الضيقة، في ممارسات شاذة تسيء لسمعة العمل النقابي النبيل والممأسس.

هذا السلوك الفردي يضع علامات استفهام كبرى حول كيف تتقبل هيئة نقابية جادة وازنة أن يظل منضويا تحت لوائها مثل هؤلاء الأشخاص الذين يقوضون مصداقيتها ويستغلون نفوذها للعزف على وتر ظروف العمل وتضخيم النواقص العادية. فقد ذهب هذا الشخص، في اندفاع غير محسوب، إلى ترويج مقارنات مضللة تدعي أن مستشفى سانية الرمل المتهالك كان أفضل من هذا الصرح الجديد المجهز بـ 80 مليار سنتيم، وهو خطاب شعبوي يسيء للنقابة أولا قبل أن ينال من مصداقية صاحبه أمام مهنيي الصحة العقلاء الذين يرفضون أن يتحول قطاعهم إلى رهينة لخدمة المصالح الفردية.

أما المثير للسخرية، فهو ما جاء في الخرجة الإعلامية الأخيرة لزعيم هذا الاعتصام، والتي فضحت طريقة تدبيره للاحتجاج، حيث ظهر بوجهين متناقضين تماما. فمن جهة، صب هذا الفاعل النقابي كل غضبه على الإدارة والتدبير المركزي والجهوي للقطاع، مستغلا بعد المسافة ليوجه اتهامات بالتقصير والتهميش الإداري، في محاولة لصناعة “عدو بعيد” يبرر به استمرار حراكه. لكن، وفي نفس المقابلة الإعلامية، تغيرت لهجته تماما وانقلبت إلى مديح مبالغ فيه وثناء عريض على مسؤولي السلطة المحلية الحاضرين بالإقليم.

هذا الانفصام في المواقف يحشر هذا الإطار في زاوية ضيقة، لأنه يظهر تكتيكه المفضوح في محاولة تقسيم الإدارة واللعب على حبل الخلافات؛ فهو يهاجم الجهات التدبيرية البعيدة، وفي نفس الوقت يستجدي عطف سلطات الوصاية المحلية القريبة منه، بحثا عن حماية أو “صك غفران” يقيه عواقب هذا الاحتجاج غير المحسوب، وتفاديا لأي صدام مع السلطة المعنية مباشرة بضبط الأمن والنظام العام داخل الإقليم.

وأبعد من هذا التكتيك التواصلي، فإن الزاوية الأكثر خطورة وحساسية في هذا الملف هي التي تكشف تداخل المصالح المالية بالتوجهات السياسية، والجمع غير القانوني بين الوظيفة العمومية والقطاع الخاص. فالمعطيات الصادمة تؤكد أن زعيم هذا الاعتصام والمحرك الرئيسي له، هو في الأصل إطار ينتمي لقطاع الصحة العام، لكنه يشتغل في نفس الوقت وبشكل غير قانوني، وبدون أي رخصة أو سند تشريعي، داخل مصحة خاصة بالمصحة ملكها ينتمي إلى عائلة حزبية وسياسية معروفة.

هنا تتضح خيوط اللعبة بالكامل، فهذا الإطار النقابي لم يفتعل هذا الاعتصام غيرة على القطاع، بل وظف صفته ونضاله لحسابات ضيقة تخدم مشغله في القطاع الخاص، مستغلا هذا الحراك كمنصة لحشد الأصوات الانتخابية والدعاية السياسية السابقة لأوانها لصالح تلك الجهة الحزبية. نعم، إنه تضارب مصالح صارخ يضرب قانون الوظيفة العمومية، حيث يستغل المرفق العام كرهينة لخدمة أجندات لوبيات تجمع بين المال والسياسة، وترى في جودة المستشفى الحكومي الجديد تهديدا مباشرا لأرباحها وصناديقها الانتخابية على حد سواء.

هنا تكمن الخطورة البالغة، فهذا الإطار النقابي لم يستوعب ولم يقرأ تبعات خرجته الإعلامية المتهورة التي ركز فيها على تشويه المستشفى الجديد وتبخيس مجهودات الدولة. هذا الخطاب الهدام التقطته بعض الصفحات الفيسبوكية المحلية وقامت بنشره على نطاق واسع، مما أسهم مباشرة في زعزعة ثقة الرأي العام في مرافق الدولة، وكرس النفور من القطاع العام وتشويه سمعته. وبذلك، قدم هذا النقابي خدمة مجانية ذهبية وبدون مقابل للقطاع الخاص، وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه بكل قوة، هل كان هذا الإطار يعي خطورة ما يقوم به من هدم لثقة المواطن في مؤسسات بلده، أم أنه كان مجرد أداة موجهة وموكلة من قبل لوبي المصحات الخاصة لضرب سمعة القطاع العام في العمق لحماية مصالحهم المالية؟ فالخوف الحقيقي خلف الكواليس هو الرعب من أن ينجح هذا المستشفى الحكومي الجديد والمجاني في جلب المرضى، مما سيؤدي حتما إلى تراجع أرباح ومداخيل المصحات الخاصة التي يشتغل فيها هذا الإطار خارج القانون.

أما المطالب التقنية التي يرفعونها، مثل تعطل جهاز “السكانير” في الشهر الأول، فهي حجج واهية تخرقها القوانين؛ فالمشرع المغربي يفرض في هذه الصفقات الكبرى عقود ضمان إلزامية لا تقل عن سنة، تلزم الشركات الموردة بالتدخل الفوري للإصلاح على نفقتها وتحت طائلة العقوبات، وبالتالي فإن أي عطب تقني عارض هو مسألة مسطرية عادية جارية المعالجة، وليس دليلاً على تقصير الإدارة. كما أن دعوة الساكنة للاحتشاد داخل منشأة تضم غرف إنعاش وقاعات جراحة حرجة، هو تحريض شعبوي واندفاع غير محسوب قد يتسبب في فوضى وانفلاتات أمنية ولفظية تعرقل ولوج الحالات المستعجلة.

في النهاية، أن العمل النقابي يجب أن يكون مسؤولا ومؤطراً بروح المواطنة، لا منصة لتخريب مكتسبات الوطن. وما ارتكبه هذا الإطار يستوجب تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الصارمة والمساءلة الإدارية والقانونية القاسية؛ فبينما تسخر الدولة كل إمكانياتها وتوجيهاتها الملكية لتغيير الصورة النمطية عن القطاع العام وخدمة المواطن البسيط، يأتي من يقوض هذه الجهود ويحبطها لخدمة ريعه الخاص. ومع ذلك ستبقى المشاريع الاستراتيجية بتطوان محصنة، وأي محاولات توظيف صحة المواطنين لخدمة أجندات حزبية أو لحماية أرباح غير مشروعة لن توقف قطار التنمية، والمصلحة العليا تقتضي النأي بهذا المرفق الصحي الملكي عن الصراعات الشخصية والفئوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *