“قندوح”.. هل يدفع بنكيران ثمن إساءته لمستشاري الملك؟

المستقل | فؤاد السعدي
لم تكن واقعة سحب عبد الإله بنكيران لعبارة “قندوح” التي رشق بها مستشاري جلالة الملك في خرجة الصويرة، مجرد زلة لسان عابرة جرى التكفير عنها برسالة اعتذار فيسبوكية مقتضبة، بل هي تمظهر علني لأزمة تواصلية وبنيوية عميقة يعيشها حزب العدالة والتنمية منذ زلزال ثامن شتنبر 2021، وعنوان بارز لاستراتيجية سياسية بات يعتمدها زعيم “المصباح” تقوم على المشاكسة وافتعال الصدام، بحثا عن رصيد شعبي ومؤسساتي مفقود.
تفكيك المشهد الأخير يضعنا أمام قناعة راسخة، وهي أن بنكيران لم يتعاف بعد من صدمة الاندحار الانتخابي القاسي في استحقاقات 2021، بل وما زال مسكونا بهاجس غائر مفاده أن جهات في الدولة هي من ورطت، ان صح القول، الحزب عمدا في ملفات وقضايا اجتماعية حارقة ومثيرة للجدل خلال فترة قيادته للحكومة، بغرض تدمير شعبية التنظيم وتجريده من مكاسبه وتأديبه سياسيا.
ومن هذه الخلفية النفسية والسياسية، تولدت لدى الرجل قناعة تكتيكية خطيرة، مفادها أن مقارعة الخصوم السياسيين الحاليين والأحزاب المنافسة في الساحة هي معركة عقيمة وفي غير محلها، طالما أن الرجل يؤمن داخليا بأن الكعكة الانتخابية وتوزيع الحصص وصناعة الخرائط السياسية بالمملكة تتم هندستها في مربع آخر بعيد عن المقرات الحزبية.
وبالتالي، ووفق هذا المنطق الملتوي، قرر بنكيران تفعيل المثل الدارجي المغربي بنوع من البراغماتية الفجة، “قصد العوينة تشرب”، بمعنى بدل تضييع الجهد والوقت في مناكفة الأغلبية الحكومية الحالية أو تشريح السياسات العمومية، اختار توجيه مدفعيته الثقيلة مباشرة نحو محيط المؤسسة الملكية ومستشاري جلالة الملك. هو أسلوب غير معلن يكتسي طابع الضغط التفاوضي الخشن أو محاولة لي ذراع الدولة لانتزاع اعتراف سياسي جديد، وبعث رسائل لمن يهمهم الأمر بأن الحزب يطالب بحصته من التوازنات القادمة تلميحا لا تصريحا.
لكن، هل تنطلي هذه اللعبة الانتحارية على الدولة؟ وهل يملك بنكيران أوراقا رابحة تؤهله لابتزاز صانع القرار؟
المؤشرات الميدانية، ومعها أدبيات تدبير الحكم في المغرب، تؤكد أن بنكيران يسيء تقدير الحسابات، على اعتبار أن العقيدة المؤسساتية للدولة المغربية مبنية تاريخيا على رفض الإذعان لأي ابتزاز لفظي أو ضغط تواصلـي، كما أن منطق تقديم التنازلات تحت التهديد بالبوليميك غير موجود في قاموسها. والأهم من ذلك، أن الدولة مؤسسة تمتلك ذاكرة حديدية وصارمة، فهي قد لا ترد فورا وبشكل انفعالي، لكنها تسجل هذه السلوكات كمؤشرات عدم ثقة غير قابلة للمحو برسالة اعتذار مستعجلة على فيسبوك. فنعت شخصيات وطنية وازنة يعينها جلالة الملك بأوصاف قدحية تجاوز كل سقوف اللياقة الأدبية والسياسية، ووضع الحزب في ورطة لن يمحوها التراجع التكتيكي الخائف من العواقب القانونية أو السياسية الوخيمة.
أبعد من ذلك، يبدو أن بنكيران بات يمارس بوعي تكتيك حافة الهاوية واستدراج رد الفعل، فهو يسوق سفينة “البيجيدي” عمدا نحو الزاوية الضيقة، وينتظر بشغف انفعالا أو عقابا رسميا عنيفا يعيد إليه هالة الزعيم المستهدف والمظلوم ليقنع بها قواعده المنهكة ويشحن ذخيرته الأيديولوجية. فالرجل يعلم أن النسيان والاندثار الصامت وسط مشهد سياسي يتغير بسرعة هو الموت الحقيقي لأطروحتة، بينما المواجهة والصدام مع الدولة هي الغذاء الروحي والسياسي الذي يضمن له البقاء في دائرة الضوء كـ”ضحية” تبحث عن التعاطف.
في المحصلة، يظهر أن هذه المناورات قد استنفدت صلاحيتها، فالاعتذار السريع والمهين الذي قدمه بنكيران، رغم تمسكه الخجول بخلفية الخطاب، يؤكد بالملموس أنه يدرك تماما خطورة اللعب مع مؤسسات سيادية لا تمزح. وإذا كان يظن أن أسلوب “لي الذراع” سيضمن له مكانا في مستقبل المشهد، فإن الواقع يثبت أن الدولة قادرة ببساطة على تركه يواجه العزلة السياسية الصامتة، مع الاحتفاظ بملف إساءاته كدليل قاطع على عدم أهليته للعودة إلى مركز القرار مستقبلا.