“حزب المقاطعين” بالمغرب.. صرخة الأغلبية الصامتة ضد تدوير النخب وجمود الحلول

مع اقتراب كل محطة انتخابية بالمملكة، يعود إلى الواجهة سؤال المشاركة السياسية ليفرز حقيقة ميدانية ثابتة وهي أن النسبة الأقل من المغاربة هي التي تتوجه بصوتها إلى صناديق الاقتراع مقارنة بالكتلة الناخبة المسجلة، أو بتلك التي تختار طواعية التموقع في صفوف “حزب المقاطعين”.

هذا العزوف المتنامي لم يعد مجرد سلوك سلبي أو لامبالاة عابرة، بل تحول بالتدريج إلى موقف سياسي واع يعبر عن عدم الرضا المطلق عن الأداء الحزبي العام، حيث يرى الملايين أن الهيئات السياسية الحالية باتت تتبادل الأدوار والمواقع لاعتلاء سدة المسؤولية والتحكم في مفاصل الشأن الاقتصادي والاجتماعي، دون القدرة على إنتاج حلول حقيقية للأزمات الهيكلية العالقة.

اليوم، يتشكل وعي جماعي لدى ملايين المقاطعين والرافضين لمنح تزكيتهم للوجوه المكررة، مبني على قناعة عدم جدوى التصويت في ظل استمرار نفس السياسات والسيناريوهات التدبيرية. ويتجلى هذا الإحباط في غياب الأثر الملموس على المعيش اليومي للمواطن، لاسيما في ملفات حارقة مثل تحرير المواد المدعمة عبر صندوق المقاصة، وتوالي موجات غلاء الأسعار التي أجهزت على القدرة الشرائية، فضلا عن الارتفاع الصاروخي لتكلفة العقار والسكن، والقفزات المهولة في مصاريف الخدمات الطبية والأدوية، ناهيك عن معضلة البطالة المتفاقمة وضعف مدونة الشغل في حماية حقوق الأجراء وسحق آمال الشباب.

وأمام هذا الجمود، ينتقل النقاش في الصالونات السياسية والمقاهي الشعبية من لوم “العازفين” إلى محاولة فهم رسائلهم؛ فالواقع الاجتماعي يثبت بوضوح أن خيار المقاطعة ينطوي على وجاهة بالغة، بل يعكس توق الشارع لنخبة سياسية جديدة قادرة على ترجمة تطلعاته بصدق. ويقارن الكثيرون هذا الوضع بما تشهده دول في أوروبا وأمريكا اللاتينية، حيث تفرز الصناديق هناك تيارات ووجوها صاعدة تؤمن بالإصلاح الجذري ومحاربة الفساد وتقدم نموذجا حيا للتداول الفعلي على السلطة، في وقت يبدو فيه المشهد المحلي رهينا لإعادة تدوير نفس النخب والأسماء التي تتقاسم المقاعد والمناصب ضداً على منطق التجديد.

أبعد من ذلك، يكشف هذا الرفض الصامت عن أزمة أعمق ترتبط بأزمة الثقة المؤسساتية، حيث لم تعد البرامج الانتخابية قادرة على إقناع الجيل الجديد من المغاربة الذين يربطون بين ممارسة حقهم الدستوري وبين التغيير الملموس في واقعهم.

وطالما ظلت اللعبة السياسية عاجزة عن إفراز بدائل حقيقية تقطع مع الريع والوعود المعسولة، فإن “حزب المقاطعة” سيبقى القوة الضاربة والأغلبية الافتراضية التي تسائل شرعية النخب وتدعو بوضوح إلى إصلاح سياسي شامل يبدأ من تجديد الدماء وتطهير المشهد الحزبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *