ريع الرياضة بجهة فاس-مكناس.. مليار سنتيم لإنعاش “الماص” والجفاء والتقشف لـ “الكوديم”

لم يعد الحديث عن غياب العدالة المجالية والتوازن التدبيري بين قطبي جهة فاس-مكناس مجرد انطباعات سياسية أو اتهامات عابرة، بل تحول إلى واقع صارخ تعريه الأرقام والقرارات الرسمية الصادرة عن رئيس مجلس الجهة، عبد الواحد الأنصاري. فالمعطيات الأخيرة المتعلقة بتوزيع الدعم المالي للمؤسسات الرياضية تكشف بالملموس عن فرز إقليمي مفضوح، تغدق فيه الملايير على كفة، بينما يتم فرض التقشف والجفاء الإداري على الكفة المكناسية.
هذا وتجلى هذا التمييز التدبيري في إعلان رئيس الجهة عن تخصيص منحة استثنائية ضخمة بلغت قيمتها 10 ملايين درهم (مليار سنتيم) لفريق المغرب الفاسي (الماص) احتفاء بتتويجه بذع البطولة الوطنية، لينضاف هذا المبلغ إلى حزمة دعم مؤسساتي ناهزت 1.8 مليار سنتيم. هذا الكرم الحاتمي والسرعة الفائقة في ضخ السيولة المالية نحو العاصمة العلمية، يضعان رئاسة المجلس في موقف مساءلة حقيقية أمام الشارع الرياضي بالحاضرة الإسماعيلية عند مقارنة هذا السخاء بالوضع المالي لنادي النادي المكناسي (الكوديم).
فبالأمس القريب، وفي محطات عصيبة ومصيرية، مر فريق “الكوديم”، الممثل الشرعي والتاريخي لمدينة مكناس، بأزمة مالية خانقة كادت تعصف بتاريخه ومستقبله وتلقي به في غياهب المجهول. ورغم صيحات الاستغاثة الصادرة عن مسؤولي النادي وجماهيره العريضة، ورغم المطالب المتكررة بضرورة تدخل مجلس الجهة لإنقاذ الفريق وتوفير شريان حياة مالي يضمن استقراره، إلا أن مجلس الجهة أدار ظهره بالكامل لمكناس، حيث قوبلت هذه المعاناة بجدار سميك من الصمت والتقشف، وترك “الكوديم” يصارع أزمته ومصيره وحيدا دون أي التفاتة دعم تذكر من طرف الأنصاري ومجلسه.
وتكشف هذه المفارقة المالية الصادمة عورة التدبير الجهوي الذي بات يعتمد على سياسة ركوب الأمواج، فرئيس الجهة انتظر حتى حقق فريق “الماص” التتويج والإنجاز ليتدخل بمليار سنتيم كمكافأة مناسباتية توفر منصة سريعة للاستعراض الانتخابي والتقاط الصور، في حين تهرب المجلس من مسؤوليته التضامنية عندما كان “الكوديم” يحتاج الدعم في عز أزمته لبناء استقراره وتفادي السكتة القلبية. هذا الأسلوب يؤكد غياب رؤية استراتيجية حقيقية للنهوض بالرياضة في كافة أقاليم الجهة وفق دفاتر تحملات وعقود برامج منصفة، وتعويضها بعقلية الهبات والمصالح السياسوية الضيقة.
والأخطر من ذلك، فإن مثل هذه القرارات التمييزية تضرب في الصميم مفهوم الجهوية التضامنية، وتساهم بشكل مباشر في تغذية الاحتقان الإقليمي ونشر بذور التعصب الرياضي بين جماهير المدينتين الجارتين. فحين يشعر الجمهور المكناسي بأن مالية الجهة، التي يساهم فيها دافعو الضرائب بمكناس أيضا، تحرم منها فرقهم وتضخ بغزارة لإنعاش خزائن المنافس التقليدي، فإن الجهة هنا تتحول إلى أداة للتفرقة بدل أن تكون رافعة للتكامل والعدالة المجالية.
لقد حان الوقت لتذكير رئاسة مجلس الجهة بأن ميزانية فاس-مكناس هي ملك لجميع أقاليم ومواطني الجهة على حد سواء وليست ريعا سياسيا، وأن الجماهير المكناسية لن تنسى هذا الحصار المالي الممنهج ضد فريقها الأول، ولن يقبل الرأي العام المحلي باستمرار سياسة التهميش والتمييز التي باتت السمة الأبرز لتدبير هذا المجلس.