مكناس.. “دائرة الموت” الانتخابية وأسئلة الهيمنة القروية وعزوف الحواضر قبل اقتراع 23 شتنبر

تستأثر الخريطة الانتخابية لعمالة مكناس باهتمام سياسي وإعلامي بالغ مع الاقتراب الحثيث لموعد الاستحقاقات التشريعية في الثالث والعشرين من شتنبر المقبل، وتحديدا في هذه الدائرة التي اصطلح على تسميتها بـ”دائرة الموت” نظرا لشدة التنافس وصعوبة حسم مقاعدها، حيث تظهر القراءة التحليلية لنتائج الولايتين التشريعيتين السابقتين معطى بنيويا ثابتا يتمثل في كون جل الفائزين بالمقاعد البرلمانية يحصدون جل أصواتهم من الجماعات القروية التابعة للإقليم مستفيدين من ارتفاع نسب المشاركة بالقرى والامتداد القبلي والروابط العائلية التي تضمن لهؤلاء المرشحين خزانا انتخابيا صلبا ومنضبطا يتحرك بكثافة يوم الاقتراع، مما يطرح إشكالا ديمقراطيا حقيقيا يرى فيه متتبعون تحكما صريحا من العالم القروي في مصير وصناعة القرار السياسي للحاضرة، دون أي تنقيص من قيمة ومكانة العالم القروي، بل كتنبيه لخلل بنيوي يكمن في غياب التوازن الذي يفترض أن تصنعه الكتلة الناخبة بالمدن والتي تعاني بدورها من عزوف سياسي حاد ومقاطعة صامتة بفعل تزايد منسوب الإحباط من أداء المجالس المتعاقبة وتراجع مستوى الخدمات التنموية.
وقد تجسدت هذه المفارقة الميدانية بشكل صارخ وصادم خلال الانتخابات التشريعية الجزئية الأخيرة التي شهدتها مكناس في يوليوز 2022، والتي تم وصفها بالفضيحة الانتخابية في بعض محطاتها وخاصة على مستوى جماعة “الدخيسة” القروية، حينما شهدت مكاتب التصويت قفزة غريبة ومثيرة للجدل في نسب المشاركة بلغت أرقاما قياسية في الساعات الأخيرة للاقتراع لتتجاوز عتبة السبعين بالمئة، مما أكد بالملموس قدرة الآلة الانتخابية القروية وشبكات الأعيان على إجهاض وهزم التوجهات السياسية لساكنة الحواضر كجماعتي مكناس ووسلان، وبالتالي حسم المقاعد لصالح مرشحين بعينهم يعتمدون كليا على القرى، باستثناء مرشحين قلة يركزون في حملاتهم على أصوات المدينة، وهو ما ينعكس سلبا على جودة التمثيلية البرلمانية، حيث يجد النائب الفائز نفسه مدينا بكرسيه لمطالب قروية محضة كالطرق والمسالك الفلاحية والماء الشروب، في حين تغيب وتهمش الملفات والمشاريع الكبرى والمهيكلة الكفيلة بإنقاذ مدينة مكناس وتأهيل بنيتها التحتية واستقطاب الاستثمارات إليها داخل قبة البرلمان.
وما يزيد من قتامة هذا المشهد الانتخابي ويدفع بالناخب الحضري الواعي نحو مزيد من العزوف، هو شبه الإجماع واليقين السائد وسط الشارع المكناسي بأن الوجوه القديمة المألوفة ذاتها هي من سيعود للفوز وتصدر النتائج مرة أخرى دون أي تجديد، نظراً لاستمرار تهافت الأحزاب بمختلف تلويناتها وبراغماتيتها على استقطاب هؤلاء الأعيان التقليديين ومنحهم التزكيات بحثا عن مقاعد برلمانية مضمونة وبغض النظر عن حصيلتهم أو كفاءتهم، وفي مقابل ذلك، يبرز توجس واضح من طرف الإدارة وصناع القرار من مغبة صعود أسماء أو نخب جديدة غير مجربة وغير متوقعة قد تزعج التوازنات المحلية القائمة، مفضلةً العمل بمنطق “اللي نعرفوه أحسن ملي مانعرفوهش” كخيار لضمان الاستقرار البارد والحفاظ على نسب مشاركة مقبولة، لتظل عاصمة إسماعيلية تدور في فلك حلقة مغلقة من تدوير الوجوه القديمة وإقصاء الطاقات الشابة والفاعلة، مما يرهن تطلعات المدينة التنموية لسنوات أخرى ويجعل الفن والعمل السياسي عاجزين عن إحداث أي فارق أمام سطوة المال والأعيان وهيمنة الجغرافيا القروية على صناديق الاقتراع.