بعد جدل “التمرد”.. هيئة محامي البيضاء تلتحق بالتوقف الشامل وتشل محاكم العاصمة الاقتصادية

في خطوة دراماتيكية تعكس حجم الاحتقان غير المسبوق داخل منظومة العدالة، تراجعت هيئة المحامين بالدار البيضاء، أكبر هيئة مهنية بالمغرب، عن موقفها السابق الذي أثار زلزالا من الجدل واعتبر في الأوساط المهنية بمثابة تمرد على القرار المركزي، لتعلن رسميا التحاقها بقرار التوقف الشامل عن العمل بجميع المحاكم، والذي دعت إليه جمعية هيئات المحامين بالمغرب.

وجاء هذا التحول الجذري عقب اجتماع مفتوح وعاصف لمجلس هيئة الدار البيضاء، امتدادا لبلاغها الصادر في 19 يونيو الجاري، حيث انكب أصحاب الجبة السوداء بالعاصمة الاقتصادية على تشريح مخرجات التعديلات التي أقرتها لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين بخصوص مشروع القانون المثيرة للجدل رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة.

وجلد بلاغ الهيئة بشدة ما أسماه تراجعات خطيرة مست في الصميم الهوية البنيوية للمهنة؛ حيث انتفض المحامون ضد رفع سن الولوج إلى خمسين سنة، واعتبروا المقتضيات الجديدة مساسا سافرا باستقلالية المحاماة، وتطويقا لذاتيتها عبر تسقيف واجبات الانخراط، وإخضاع منتسبيها لتكوين مستمر قسري تحت وصاية وإشراف المعهد.

ولم يقف غضب كبار محامي البيضاء عند حد التدبير المهني، بل امتد ليرفضوا بقوة ما وصفوه بضرب الاستقلالية المالية للهيئات، عبر إقحام حساب ودائع وأداءات المحامين تحت مقصلة رقابة قضاة المجلس الأعلى للحسابات؛ معتبرين هذا الإجراء خرقا دستوريا صارخا يتنافى مع القوانين المنظمة وتدخلا فجا في تدبير حسابات تخضع تاريخيا وقانونيا لقواعد السر المهني والخصوصية الصارمة.

وفي تشريح للوهن والارتجال الذي طبع المسار التشريعي، نبه المجلس إلى معضلة هدر الزمن المهني في المساطر المتعلقة بالترافع أمام محكمة النقض، مسجلا بكثير من الاستهجان غياب دراسة الأثر والجدوى عن المشروع، وسقوطه في مستنقع ما أسماه البلاغ بالمحاباة التشريعية وضبابية صياغة المواد المرتبطة بالتنظيم الذاتي للمهنة.

وحمل مجلس الهيئة كل من الحكومة والبرلمان المسؤولية الكاملة عن هذا التخبط التشريعي الذي يضرب في العمق أحكام الوثيقة الدستورية والمواثيق الدولية، ويمس بشكل مباشر جوهر حق الدفاع المكفول للمواطنين.

وتجسيدا لهذا الغضب، أعلن مجلس الهيئة عن دخول خطته التصعيدية حيز التنفيذ عبر شل الحركة القضائية وتعليق تقديم الخدمات المهنية بجميع أشكالها (تمثيلا، ومؤازرة، وصياغة للمقالات والمعاينات) ابتداء من اليوم الأربعاء 24 يونيو 2026 وإلى إشعار آخر؛ في معركة كسر عظام حاسمة دعت فيها الهيئة كافة المحاميات والمحامين إلى التعبئة الشاملة ورص الصفوف صونا لاستقلالية وبهاء مهنة النبلاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *