مكناس.. “سند طلب لـ25 يوما” لحراسة 5 مستشفيات يضع حكامة صفقات الصحة في قفص الاتهام

يواجه قطاع الصحة بمدينة مكناس فصلا جديدا من فصول الارتباك التدبيري، عقب إعلان المركز الاستشفائي الإقليمي عن سند طلب عاجل ومؤقت (رقم 37/2026) لتأمين خدمات الحراسة والمراقبة لخمس منشآت صحية حيوية، لمدة لا تتجاوز 25 يوماً فقط؛ في خطوة وصفتها مصادر مهنية بالارتجالية التي تهدد استقرار المرفق العام وتكشف حجم العشوائية في التعاطي مع الصفقات الحيوية.

وتأتي هذه الخطوة لتطرح علامات استفهام كبرى حول أسباب اللجوء إلى حلول ترقيعية (سندات طلب وصفقات مؤقتة لشهرين) لتأمين ملف حساس كالأمن، في وقت لا يزال فيه الغموض والتعثر يلفان مصير الصفقة الإطار الجهوية الكبرى التي تفوق قيمتها 6 مليارات سنتيم، والتي كان من المفترض أن تنهي هذا التخبط الإداري وتضمن ديمومة المرفق الصحي بالجهة.

وتتجلى خطورة هذا الإجراء في كونه يشمل منشآت صحية كبرى، حساسة ومتباعدة جغرافيا بشكل يعقد مأمورية المراقبة؛ وعلى رأسها مستشفى محمد الخامس الذي تستقبل مستعجلاته وحدها أزيد من 900 مرتفق يوميا، ومستشفى مولاي إسماعيل، وسيدي سعيد، وبانيو، إضافة إلى المركز الجهوي للأنكولوجيا. ويرى خبراء في تدبير المنشآت أن إسناد حراسة هذه المقرات الحيوية لشركة مؤقتة بناءً على سند طلب حدد تنفيذه في 11 ألفاً و200 ساعة عمل على مدى 25 يوما فقط، يضرب في العمق مفهوم الأمن المؤسساتي؛ إذ يستحيل على أي طاقم أمني جديد أن يستوعب الخصوصيات اللوجستية والبشرية ومسالك ومخارج خمسة مستشفيات في هذه المدة القصيرة، مما يهدد بحدوث انفلاتات أمنية واعتداءات متكررة على الأطقم الطبية والتمريضية والمرتفقين، لاسيما في أقسام المستعجلات التي تعيش ضغطا وتوترا مستمرين.

أما على الصعيد الاجتماعي والحقوقي، فإن هذا النمط من التدبير يضع مصير أزيد من 70 حارس أمن خاص في مهب الريح ويعمق أزمتهم المعيشية، فالمعطيات تؤكد أن توالي الشركات المؤقتة وتأخر التوقيع على إذن الخدمة، كما حدث في صفقة مارس الماضي التي لم تفعل إلا في منتصف ماي، يؤدي مباشرة إلى ارتباك حاد في صرف أجور هذه الفئة الهشة، التي تعاني أصلا من تماطل الشركات في أداء مستحقاتها. وتتحمل مندوبية ومديرية الصحة بجهة فاس-مكناس مسؤولية مباشرة في تكريس هذه الهشاشة الاجتماعية والمهنية، مما يتناقض جملة وتفصيلا مع التوجيهات الملكية الرامية إلى تجويد ظروف شغالين في قطاع التدبير المفوض وعقلنة الصفقات العمومية وحماية كرامة الأجراء.

وبالتالي فلجوء إدارة المستشفى، تحت توقيع رئيس مصلحة الشؤون الإدارية والاقتصادية عبد الكبير الودغيري، إلى فتح باب التنافس الإلكتروني عبر بوابة الصفقات العمومية لسند طلب مدته أقل من شهر، يفتح الباب أمام مساءلة مالية وتدبيرية واسعة من طرف المصالح المركزية لوزارة الصحة والمجلس الأعلى للحسابات، على اعتبار أن تدبير قطاع الأمن الاستشفائي بمنطق “المياومة” أو الأسابيع المعدودة يعكس إما وجود عجز بنيوي في التخطيط الاستباقي للطلبات العمومية، أو وجود أزمة سيولة وتأخر في التأشير المالي على مستوى المديرية الجهوية؛ وهو وضع شاذ يفرض تدخلا عاجلا وحاسما من سلطات الوصاية لإنقاذ مستشفيات العاصمة الإسماعيلية من فوضى التدبير المؤقت، وضمان استمرارية أمنية مستدامة تحمي الطبيب والمرتفق على حد سواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *