فاتورة مؤجلة لستة عقود.. حكومة أخنوش ترحل كلفة إصلاح التقاعد إلى سنة 2084

أعادت الوثيقة الرسمية الصادرة عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فتح النقاش الاقتصادي والسياسي بالمغرب حول الكلفة الحقيقية للقرارات ذات البعد الاجتماعي، واضعة التوازنات المالية لأنظمة التقاعد تحت مجهر المساءلة والنقد.
ففي الوقت الذي تواصل فيه حكومة عزيز أخنوش تسويق قراراتها الاجتماعية الأخيرة باعتبارها مكاسب غير مسبوقة لفائدة الأجراء، كشفت المعطيات الواردة في دفتر فرضيات التقييم الإكتواري الصادر عن مديرية الإكتوارية والدراسات العامة والموجه إلى اللجنة التقنية لإصلاح أنظمة التقاعد، عن الوجه الآخر لهذه التدابير. حيث تبين أن خفض عتبة الاستفادة من معاش الشيخوخة من 3240 يوما إلى 1320 يوما فقط بموجب المرسوم رقم 2.25.265، والذي تم تقديمه كإجراء اجتماعي لتصحيح وضعية الفئات ذات المسارات المهنية المتقطعة، أدى عمليا إلى طفرة استثنائية وغير مسبوقة في أعداد المتقاعدين الجدد، وهو ما فرض على إدارة الصندوق إعادة النظر في فرضياتها الإكتوارية ومعدلات الإحالة على التقاعد خلال السنوات المقبلة، وسط تحذيرات جدية من انعكاسات مالية بعيدة المدى تمتد حساباتها المستقبلية إلى غاية سنة 2084.
وتكشف تفاصيل الدراسة الرسمية أن هذه المراجعة الحسابية لم تكن مجرد إجراء تقني روتيني، بل فرضتها مؤشرات غير مسبوقة للخروج المبكر من سوق الشغل، ولا سيما عند سن 59 سنة، حيث سجلت نسبة مغادرة النساء النشيطات المسجلات في النظام مستويات قياسية بلغت 53 في المائة، وهو رقم يطرح علامات استفهام كبرى حول الكلفة المالية المستقلبية لهذا القرار على المدى البعيد.
وفي هذا السياق، تقرأ المصادر الاقتصادية هذه المؤشرات باعتبارها دليلا واضحا على أن القرارات ذات الطابع الاجتماعي التي يتم اتخاذها تحت ضغط الظرفية الاجتماعية والنقابية قد تتحول إلى عبء مالي ثقيل وطويل الأمد إذا لم ترفق بدراسات استباقية دقيقة تسلط الضوء على مصادر التمويل وانعكاساتها الإكتوارية.
وتشدد هذه المصادر على أنه رغم كون توسيع قاعدة المستفيدين من المعاشات يظل خيارا اجتماعيا مشروعا ومطلوبا، إلا أن ضمان استدامته وحمايته من الانهيار يظل رهينا بتوفير موارد مالية موازية وقادرة على استيعاب هذه الكلفة المتزايدة.
ولا تتوقف دواعي القلق عند حدود الارتفاع القياسي في أعداد المحالين على التقاعد، بل تمتد لتشمل تراجعا مقلقا في معدل المردودية المالية للاحتياطيات طويلة الأجل التابعة للصندوق، حيث ينبه التقييم الإكتواري الرسمي إلى انخفاض متوسط العائد المالي من 3.59 في المائة سنة 2012 إلى 2.74 في المائة فقط سنة 2024، مما يضعف قدرة هذه الاحتياطيات على لعب دور صمام الأمان المالي في مواجهة الالتزامات المستقبلية للأنظمة. وتزداد خطورة هذا المعطى بالنظر إلى أن الدراسة الرسمية بنت توقعاتها الممتدة حتى عام 2084 على فرضية استثمارية يفترض ألا يتجاوز متوسط مردوديتها 3 في المائة، وهو هامش أمان يظل محدودا وجد ضيق أمام التحولات الاقتصادية المرتبطة بالتضخم وتقلبات الأسواق المالية، خصوصا إذا استمرت الالتزامات المالية للصندوق في النمو بوتيرة أسرع من عائدات استثماراته.
وترى المصادر الاقتصادية أن ما يجري يعكس العاطف الخفي لما تسميه الحكومة بتوسيع مكتسبات الدولة الاجتماعية، موضحة أن نقل جزء من كلفة الحلول الاجتماعية إلى المستقبل لا يلغي الإشكالات البنيوية العميقة التي تواجه أنظمة التقاعد بقدر ما يؤجل معالجتها والتعاطي معها. إن خفض شروط الاستفادة من المعاش دون إحداث موارد تمويلية إضافية أو العمل على الرفع من مردودية الاستثمارات والاحتياطيات يضع، وفق التقييم ذاته، سؤال الاستدامة المالية للنظام في قلب المخاطر، ويجعل الأجيال المقبلة أمام اختبار حقيقي وتحمل مباشر لكلفة إصلاحات هيكلية لم تُحسم بعد ملامح تمويلها على المدى البعيد.