مكناس.. تجربة النقل الحضري تسقط القناع وتكشف “تبرهيش اليسار”

المستقل | فؤاد السعدي
حين تتحول الممارسة السياسية من مسؤولية وطنية إلى سيرك للمزايدات الشفهية، يسقط قناع النضج وتنكشف عورة الإفلاس السياسي، هذا بالضبط ما يشهده مجلس جماعة مكناس، حيث يقدم الفاعل المحسوب على أحزاب اليسار نموذجا صارخا للمراهقة السياسية والسكيزوفرينيا في المواقف، خصوصا عندما اختار الارتهان للخطاب الشعبوي وتجاهل واجبات التدبير التشاركي المسؤول، ففي الوقت الذي تتطلب فيه القضايا المصيرية شجاعة القرار ورزانة البدائل، اختارت هذه الأصوات التواري خلف ظاهرة صوتية بائسة تقتات على الأزمات، وتتهاوى كأوراق الخريف متى ما اصطدمت ببراغماتية الميدان وحزم القانون.
ظهر هذا في سياق التعاطي مع ملف مرفق النقل الحضري بالعاصمة الإسماعيلية لتنكشف بجلاء حجم التناقض في المواقف الذي تتمرغ فيه هذه الأصوات، فبالأمس القريب، كانت ذات الحساسيات اليسارية تقيم الدنيا ولا تقعدها، مطالبة المجلس والرئاسة بضرورة الحسم الفوري وفسخ العقد مع الشركة المتعثرة “سيتي باص”، محملة المجلس مسؤولية استمرار تردي الخدمات وتداعي الأسطول. حينها كان الجميع يتصور أن هذه الهيئات تمتلك تصورا جاهزاً ودراسة أثر دقيقة لما بعد الفسخ.
لكن وبمجرد ما تجرأت رئاسة المجلس الجماعي لمكناس، بتنسيق مؤسساتي رفيع مع السلطات المحلية، على اتخاذ القرار الشجاع واستنفاد جميع المساطر القانونية للقطع مع حالة الجمود، انقلب المنطق لدى هؤلاء الفاعلين رأسا على عقب فتحول بقدرة قادر مطلب الفسخ الضروري إلى ذريعة للمزايدة بالملف الاجتماعي لمستخدمي وعمال الشركة، وباتوا يذرفون دموع التباكي على الاستقرار الوظيفي، في محاولة بائسة لتجييش الشارع وإثارة البلبلة وسط العمال في لحظة انتقالية دقيقة وحرجة.
وأمام هذا الانقلاب الفج في المواقف، يبرز خيط التناقض الناظم ليضع هذا الموقف السريالي على محك المساءلة، فاسحا المجال أمام طرح سؤال بديهي ينسف مصداقية هذا الخطاب من أساسه، حول ما إذا كانت هذه الأحزاب تظن أن قرار فسخ عقد التدبير المفوض هو مجرد كبسة زر أو خرجة فايسبوكية بلا تبعات إدارية ومالية واجتماعية، أم أنها كانت تعلم التبعات وتمنت حصول الفراغ لتستغل آلام العمال كحطب لحرائقها السياسية. وهو ما ينتهي بنا حتما إلى نتيجة مفادها أنه في كلتا الحالتين ينكشف للمواطن المكناسي أننا أمام خيارين أحلاهما مر، فإما أنه أمية وتغابي إداري لا يستوعب تعقيدات المساطر العمومية، وإما أنه خبث سياسي يستمرئ المتاجرة بالأزمات على حساب الاستقرار الاجتماعي للمدينة.
هذا الارتهان التام لحيز المزايدة بين خياري الأمية التنظيمية والخبث السياسي يقود مباشرة إلى كشف الوجه الآخر للأزمة، ولعل هذا ما يفسر كيف يتجلى الإفلاس السياسي وفقدان البدائل الميدانية كسمة بارزة لهذا اليسار. فحينما يقتصر الدور السياسي على رفع وتيرة الشكوى دون تقديم نموذج تقني أو مالي واحد لما بعد الفسخ، يتجسد الهدر الزمني والتنموي بأبشع صوره، ليبقى هذا الفاعل المحسوب على اليسار مكتفيا بالنقد الهدام، ورافضا للمشاركة الفعلية في تأطير المرحلة الانتقالية، وهو ما يعري عجز تصوراته وغياب أي حلول عملية لديه.
فضلا عن ذلك، يبرز تناقض صارخ وتنصل صريح من التبعات، حيث إنه من غير المنطقي المطالبة بإنهاء عقد التدبير المفوض وفسخه فورا، ثم الالتفاف لمهاجمة الجماعة والسلطات بمجرد بدء اتخاذ الإجراءات الميدانية لمعالجة التبعات الاجتماعية والهيكلية للقرار. هذا التذبذب بين المطالبة الصارمة أمس والمزايدة اليوم يكشف عن غياب النضج في العمل الجماعي والمؤسساتي لدى هذه المكونات.
وبالرغم من كل هذه المزايدات، ولأن الشبهات والادعاءات الباطلة لا تصمد أمام قوة الحجج المؤسساتية، جاءت مداخلة رئيس مجلس جماعة مكناس خلال الدورة الاستثنائية لتقطع دابر الشك باليقين، وتضع حدا لكل خطابات المزايدة، مسددة ضربة قاضية لتجار الأزمات، خصوصا عندما أكد الرئيس صراحة، وبكل حزم قانوني ومسؤولية، على ضمان الحفاظ على جميع الحقوق المكتسبة للمستخدمين الحاليين واستمراريتهم في ممارسة مهامهم، بالتوازي مع التوجه نحو إحداث “شركة للتنمية المحلية” لتولي إدارة القطاع بحكامة عمومية مستدامة. هذا الموقف المؤسساتي الحاسم لم يكتف فقط بقطع الطريق أمام محاولات التحريض، بل سحب من أيدي “كائنات البوز” الورقة الوحيدة التي كانوا يراهنون عليها لإرباك السلم الاجتماعي.
وهنا تحديدا، يتوجب على الساكنة المكناسية الوقوف عند نقطة التحول الكبرى التي فجرت الصدمة وعرت المستور، ففي الوقت الذي ملأت فيه هذه الأصوات الفضاء بالضجيج والمطالبة الصارمة بفك الارتباط مع الشركة المتعثرة، جاء التجاوب المؤسساتي عبر طرح خيار تشكيل لجنة موضوعاتية تضم مختلف الفرقاء لدراسة إشكاليات القطاع وصياغة حلول جذرية. لكن المفاجأة التي أذهلت الجميع تمثلت في رفض هذا اليسار تولي المهمة والتهرب من رئاستها والمشاركة فيها، هذا الفرار عند المحك العملي والهروب من المسؤولية الإدارية والأخلاقية أثبت للرأي العام، بما لا يدع مجالا للشك، أن هذه الهيئات لا تتعدى كونها بالونات منفوخة بالهواء تنهار فور ملامستها لأرض الواقع.
انطلاقا من هذه السقطة المدوية، يتضح أن تشكيل اللجنة الموضوعاتية كان المحك الحقيقي والميزان الدقيق الذي يقاس به نضج أي معارضة، كونه ينقل التنافس من مربع الشعارات الشفهية والضجيج الإعلامي إلى مربع الأرقام والقوانين والمنازعات التقنية. ومن ثم، فإن الهروب من هذه اللجنة لا يمكن قراءته إلا كإقرار ضمني صريح بعدم الجاهزية للخوض في التفاصيل الدقيقة المعقدة لهذا القطاع الشائك، وتفضيل مريح لدور المتفرج المشاغب الذي يكتفي بانتظار التعثر للاصطياد في المياه العكرة.
من هنا، تنجلي للرأي العام المكناسي الحقيقة الناصعة، ومفادها أن هؤلاء لا يملكون أرقاما ولا دراسات بديلة، ولا حتى أطرا قادرة على مقارعة الملفات المعقدة داخل أروقة المجلس؛ حيث يفضلون الفرار من طاولة النقاش التقني كونها تعري فقرهم السياسي والقانوني والإداري، بالمقابل يهرعون نحو المنصات الرقمية لأن الصراخ فيها لا يتطلب تقديم بدائل ولا تحمل كلفة القرار. وبذلك، يسقط هؤلاء في ممارسة معارضة استعراضية تقتات على المشاكل وترفض المشاركة في صناعة الحلول، خوفا من أن يحسب لغيرهم نجاح التجربة، أو أن تتلاشى الأزمة التي يراهنون على بقائها للاستثمار السياسي.
اليوم تؤكد تجربة النقل الحضري بمكناس أن هذا الفاعل المحسوب على اليسار سقط في فخ الظاهرة الصوتية التي لا أمل يرجى منها، وكشفت للرأي العام الفرق الساطع بين من يملك الجرأة السياسية لإغلاق الملفات المستعصية المتراكمة منذ سنوات وبناء المؤسسات برؤية رزينة، وبين من يقتات على إبقاء الملفات مفتوحة للاستثمار السياسي الضيق، ليمارس المراهقة والافتراء عند كل محطة تنموية، ويضحي بأقوات العمال وهيبة المؤسسات من أجل سراب انتخابي خرجات فيسبوكية لا تغني ولا تسمن من جوع.