بالأرقام والمؤشرات.. تقارير رسمية تفند الرواية الوردية لحصيلة رئيس الحكومة الاقتصادية والاجتماعية

أثارت المداخلة الأخيرة لرئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أمام مجلس النواب خلال جلسة المساءلة الشهرية، موجة من النقاش الحاد في الأوساط الاقتصادية والسياسية. فالرئيس، المسلح بترسانة من المؤشرات الرقمية الإيجابية، رسم لوحة وردية لمسار الاقتصاد الوطني بين سنتي 2021 و2026، متحدثا عن قفزات في معدلات النمو، وتراجع في التضخم، وإحداث مئات الآلاف من مناصب الشغل.

غير أن إخضاع هذه الرواية الحكومية للتدقيق والمواجهة الإحصائية مع تقارير المؤسسات الرسمية المستقلة، يكشف عن فرق شاسع بين الأرقام المنتقاة سياسيا وبين المعيش اليومي للمواطن المغربي.

فقد استند رئيس الحكومة في دفاعه على تسجيل متوسط نمو تراكمي بلغ 4.7 في المائة خلال الولاية الحالية، مع توقع تحقيق 5.2 في المائة بنهاية السنة. غير أن قراءة بسيطة في الهندسة الإحصائية تكشف أن هذا التراكم الحسابي بني أساسا على الطفرة التقنية لسنة 2021، والتي شهدت نموا استثنائيا فاق 7 في المائة كارتداد طبيعي وتلقائي بعد الانكماش الحاد والركود الشامل الذي فرضه الإغلاق إبان جائحة كورونا في 2020 والذي بلغ ناقص 7.2 في المائة.

وباستثناء هذا الانتعاش الآلي، تأرجحت معدلات النمو في السنوات اللاحقة في مستويات متواضعة كشفت عدم قدرة الاقتصاد الوطني على الفكاك من التبعية التقليدية للتساقطات المطرية وهشاشة القطاعات غير الفلاحية، مما يجعل لغة المعدل التراكمي قراءة منتقاة تخفي التباطؤ الفعلي لسنوات التدبير الحكومي.

وفي شق الاستقرار المالي، ركزت الرواية الحكومية على تراجع نسبة التضخم من 6.5 في المائة إلى حدود 1 في المائة. تقنيا ومحاسباتيا، الرقم صحيح وصادر عن بنك المغرب والمندوبية السامية للتخطيط، لكن التوظيف السياسي للمؤشر جانب الصواب. فتراجع معدل التضخم لا يعني إطلاقا انخفاض أسعار المواد الاستهلاكية أو عودتها إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، بل يعني ببساطة أن سرعة الارتفاع قد تباطأت. فاستقرار الأسعار في مستوياتها القياسية العليا المنهكة للقدرة الشرائية، وهو ما يفسر المفارقة الصارخة بين تفاؤل رئيس الحكومة الرقمي، وبين احتقان الشارع الذي لم يلمس أي أثر لهذا التراجع في قفته اليومية.

ويبقى المربع المتعلق بالتشغيل وإحداث مناصب الشغل هو الأكثر إثارة للجدل والأبعد عن الواقعية الميدانية. ففي الوقت الذي أعلن فيه رئيس الحكومة بكل ثقة عن إحداث 850 ألف فرصة عمل خلال السنوات الأربع الماضية والطموح لبلوغ المليون، تتحدث التقارير الدورية للمندوبية السامية للتخطيط عن لغة مغايرة تماما؛ لغة تتسم بالقلق بعد أن قفز معدل البطالة الوطني إلى مستويات قياسية متجاوزا عتبة 13 في المائة، وتخطي حاجز 35 في المائة في صفوف الشباب حاملي الشهادات.

الخلل في رواية رئيس الحكومة يكمن في اعتماده على احتساب المناصب الخام المحدثة في القطاعات المهيكلة والوظيفة العمومية، مع إسقاط متعمد لمعادلة”صافي مناصب الشغل، أي إغفال الفارق بين ما تم إحداثه وما تم فقدانه فعليا من مئات الآلاف من مناصب الشغل في العالم القروي والقطاع الفلاحي نتيجة الجفاف التدبيري والمناخي.

فما قدمه رئيس الحكومة تحت قبة البرلمان لا يعدو أن يكون عملية انتقاء حسابي تخدم الخطاب السياسي التفاؤلي، عبر عزل المؤشرات عن سياقها الهيكلي والاجتماعي. فالأرقام المنتقاة، وإن بدت صحيحة في دفاتر المحاسبة الحكومية، تظل عاجزة عن حجب الاختلالات البنيوية التي تؤكدها التقارير الميدانية للمؤسسات الوطنية، وعاجزة بالأساس عن الإجابة على الأسئلة الحارقة لشرائح واسعة من المواطنين والمقاولات الوطنية التي تواجه واقعا اقتصاديا واجتماعيا مغايرا تماما لما ترويه الحكومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *