زلزال صفقات قطاع الشباب بطنجة.. كواليس استحواذ “عائلي” على الملايين في شهر واحد وزلة إلكترونية تفضح المستور

لم يعد الارتباك الإداري الذي تشهده المديرية الجهوية لوزارة الشباب والثقافة والتواصل (قطاع الشباب) بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة مجرد قراءة في عيوب مسطرية عابرة، بل تحول إلى علامات استفهام كبرى تفرض نفسها بقوة على حكامة تدبير المال العام بالجهة، خصوصا بعد التراجع الليلي المفاجئ للمديرية والإفراج عن الضمانات المالية المحتجزة للمقاولات المقصية في صفقة نقل المخيمات الصيفية رقم 18/2026. بيد أن ما تكشف مؤخرا من معطيات وأرقام تخص أربع صفقات متتالية أطلقتها المديرية في ظرف زمني قياسي لم يتعد الشهر الواحد، يرفع سقف التساؤلات حول مدى احترام مبادئ تكافؤ الفرص وحرية المنافسة الشريفة التي يقرها القانون المنظم للصفقات العمومية بالمملكة.
وتدفع الأرقام المسجلة في صفقات المديرية خلال الأسابيع الأخيرة نحو طرح أسئلة حارقة تتطلب إجابات واضحة من المصالح المركزية؛ فكيف يمكن تفسير رسو الصفقة رقم 20/2026 المخصصة للبرنامج الثقافي بمبلغ يناهز 760 ألف درهم، والصفقة رقم 18/2026 المتعلقة بخدمات النقل بمبلغ 384 ألف درهم، والصفقة رقم 17/2026 بقيمة تقارب 500 ألف درهم، والصفقة رقم 27/2025 بقيمة تتجاوز 640 ألف درهم، على مقاولتين اثنتين فقط تتناوبان على نيل هذه الميزانيات؟ وما القول حينما تتقاطع المعطيات الميدانية لتكشف أن مسيري هاتين المقاولتين المستحوذتين يحملان نفس الاسم العائلي، ويعتمدان على توزيع المقرات الاجتماعية للشركات بين مدينة طنجة في أقصى الشمال ومدينة الداخلة في أقصى الجنوب؟ ألا يثير هذا التقسيم الجغرافي والقرابة العائلية شبهة محاولة التمويه وإعطاء انطباع زائف بوجود تعددية ومنافسة أمام لجان التقييم بالبوابة الإلكترونية؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار الإقصاء الجماعي لأربع شركات نقل بناء على أخطاء مادية مجرد مصادفة، أم أنه جاء لإخلاء الساحة وتعبيد الطريق لتأمين فوز الجهة المحظوظة؟
وتعيد هذه التطورات المثيرة إلى الواجهة تساؤلات المهنيين حول مسار الصفقات العمومية بهذه المديرية منذ سنة 2024؛ حيث تشير المعطيات إلى أن هاتين المقاولتين تستحوذان على جل، إن لم نقل كل، صفقات قطاع الشباب بالجهة منذ سنتين. ويرى مهتمون بالشأن المحلي أن الأمر لا يتطلب سوى عملية افتحاص بسيطة ومسؤولة للوثائق والملفات المودعة بالبوابة الإلكترونية من طرف المفتشية العامة للوزارة أو المجلس الأعلى للحسابات ليتجلى الخيط الأبيض من الأسود، وتتضح الخلفيات الحقيقية وراء هذا الاحتكار العائلي الممتد. وما هذه المعطيات المقلقة إلا غيض من فيض ما شاب تدبير هذه الملفات، إذ يبدو أن ما خفي كان أعظم، وهو ما يعمق الشبهات ويدفع بالرأي العام إلى التساؤل عن دور أجهزة الرقابة المحاسباتية والخازن الجهوي بطنجة في التدقيق في مشروعية هذه النفقات وتطابقها مع روح القانون.
وفي هذا السياق المتسم بالغموض، تبرز فضيحة مدوية تتعلق بزلة تدبيرية وتنظيمية في غاية الخطورة؛ حيث أقدمت الإدارة على الإعلان عن تفاصيل إحدى الصفقات بالبوابة الإلكترونية ونشر وثائقها، قبل أن تتدارك الموقف بشكل مفاجئ وتقوم بسحب تلك الوثائق بسرعة فائقة من الموقع في محاولة للتغطية على الخلل، وهي الواقعة الموثقة التي يضعها موقعنا كدليل إضافي على حالة الارتباك وضبابية المساطر المعتمدة. والتزاما منا بأمانة التنوير والبحث عن الحقيقة، سيعمل موقع “المستقل” في تحقيقاته ومتابعاته المقبلة على كشف كافة تفاصيل هذه الزلة الإدارية، ونبش خفايا الصفقات المسحوبة، تنويراً للرأي العام ووضعا للوزير محمد المهدي بنسعيد أمام مسؤولياته السياسية والرقابية لوقف هذا العبث وجر المتورطين فيه إلى ردهات المساءلة القانونية والقضائية.