الصحة بمكناس.. استنزاف للحق في الحياة بين مطرقة الإهمال العام وسندان الجشع الخاص

المستقل _ فؤاد السعدي
بين مطرقة القطاع العام المتهالك وسندان القطاع الخاص الجشع، يجد المريض بمكناس نفسه وحيدا في رحلة تيه لا تنتهي، حيث تحولت أسمى المهن الإنسانية إلى تجارة مربحة تفتقر لأدنى معايير الكفاءة والرحمة. ففي هذه المدينة “البئيسة” صحيا، لم يعد البحث عن العلاج رحلة نحو الشفاء، بل مغامرة غير محسوبة العواقب في دهاليز منظومة ترى في العلة فرصة للاستثمار، وفي الألم وسيلة للمساومة.
أما إذا بدأنا بالقطاع الخاص، فالمشهد قاتم لدرجة الذهول؛ إذ تحولت المصحات إلى ما يشبه “مغارة علي بابا”، حيث الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود، والمريض فيها ليس سوى “رقم معاملات” يقاس بمدى قدرته على سداد الفواتير الخيالية. هنا، يتم استغلال ضعف المريض وبؤس عائلته بأبشع الصور، فالمهم هو استنزاف الجيوب قبل فحص القلوب. وبالتالي يتوه المريض بين التحاليل المكررة والفحوصات التي لا طائل منها، وفي النهاية يجد نفسه قد دفع مبالغ طائلة مقابل خدمة مؤدى عنها لكن دون نتيجة تذكر، وكأن هذه المصحات تخصصت في علاج المحافظ لا في علاج الأبدان.
هذا الاستغلال البشع يعكس عقلية استثمارية متوحشة، حيث غابت الكفاءات الحقيقية التي تضع أخلاقيات المهنة فوق كل اعتبار، وحلت محلها آليات السمسرة الطبية. فالمريض يطرق أبواب هذه المؤسسات بحثا عن الخبرة، فيصطدم بواقع مرير عنوانه الأداء أولا، ليخرج في الغالب بحالة صحية متدهورة أو بوعود وهمية، بينما تظل الفواتير هي الحقيقة الوحيدة الملموسة.
أما القطاع العام، فحدث ولا حرج؛ حيث الإهمال وسوء التدبير أصبحا هما القاعدة لا الاستثناء. غياب الكفاءات، تعطل التجهيزات، والمواعيد التي تمتد لشهور، كلها عوامل جعلت من المؤسسات الصحية العامة مجرد محطات انتظار يائسة. أما المريض الفقير بمكناس يجد نفسه أمام جدران باردة تفتقر للأوكسجين البشري والمادي، في تكريس صارخ لغياب العدالة الصحية.
ما يحدث اليوم هو فضيحة مكتملة الأركان؛ فالمنظومة الصحية بشقيها أدارت ظهرها للمواطن. فبين قطاع عام يحتضر، وقطاع خاص يمتص الدماء، يبقى المريض تائها في حلقة مفرغة، يؤدي الثمن من قوته ومن صحته، دون أن يجد يدا تمتد إليه بصدق أو كفاءة تعيد إليه الأمل في الشفاء. لقد آن الأوان لوضع حد لهذا العبث الذي جعل من المرض تجارة رابحة ومن الإنسان بضاعة رخيصة.