وثيقة “أكديطال” المسربة.. اعتراف رسمي بـ “سرقة” أطباء الدولة ومباركة “احتضار” المستشفى العمومي

المستقل | فؤاد السعدي

بتوصل موقع “المستقل” بوثيقة مسربة موجهة إلى جميع المديرين الطبيين للمستشفيات الخاصة والمصحات ومراكز الأورام التابعة لمجموعة “أكديطال”، يتم فتح علبة تساؤلات حارقة حول واقع المنظومة الصحية بالمغرب؛ هذه المذكرة الصادرة بتاريخ 30 مارس 2026 لم تكن مجرد تعليمات تنظيمية عابرة، بل جاءت كصك اعتراف صريح بخطورة التغلغل الذي مارسه القطاع الخاص داخل مفاصل المستشفى العمومي.

أما خطورة هذه الوثيقة فتكمن في توقيتها وسياقها الحساس؛ على اعتبار أنها تفضح واقعا مريرا يقوم على اقتيات المصحات الفارهة على حساب كفاءات الدولة التي صرفت الملايير لتكوينها، وذلك عبر محاولة ضبط قواعد التعاون مع أطباء القطاع العام والأجانب. وهو منطلق، يظهر أن خلفيات إصدار هذه التعليمات لا تنبع من صحوة ضمير مهنية مفاجئة كما قد يعتقد البعض، ولكن هي فقط مناورة استباقية لإنشاء مغسلة قانونية إن صح التعبير لتبرئة ذمة الرأسمال الصحي أمام تزايد الضغوط الرقابية، والكشف في الوقت ذاته عن الكيفية التي تحولت بها هذه المجموعات إلى ثقب أسود يبتلع الموارد البشرية للدولة، محولا بذلك حق المواطن في الصحة من خدمة اجتماعية إلى أصل تجاري خاضع لمنطق الربح والخسارة.

وفي هذا الإطار، تضع هذه الوثيقة الاستثمار الصحي الخاص أمام مرآة الحقيقة، لتكشف مسؤوليته المباشرة عن تفريغ المستشفيات العمومية من خيرة كفاءاتها. فبينما تحاول المذكرة تقديم نفسها كأداة لحماية القانون، إلا أنها في الجوهر تفضح استغلالا صريحا لثغرات النظام من أجل استنزاف الأطر الطبية الوطنية لصالح المصالح الخاصة.

كما أن التركيز الملح في الوثيقة على قواعد التعاون مع أطباء القطاع العام، وتذكير المديرين الطبيين بمنع الجمع بين الوظيفتين إلا في حالات استثنائية كـ “الوقت الكامل المعدل” أو بتراخيص خاصة، يؤكد أن الأصل التجاري لهذه المصحات بات يعتمد بنيويا على مجهود المرفق العام وتحويله إلى أرقام معاملات تجارية، مما يفسر بشكل قاطع حالة الاحتضار التي تعيشها المستشفيات الحكومية بعدما تم افراغها من أطرها الخبيرة.

وفضلا عن ذلك، تذهب المذكرة أبعد من مجرد التنظيم لتكشف عورات التسيير الإداري؛ حينما ألزمت المديرين الطبيين بضرورة التأكد من أن الأطباء الذين غادروا الوظيفة العمومية قد تم شطبهم فعليا من سجلات الدولة قبل التعاقد معهم، وهو ما يعد اعترافا ضمنيا بوجود فوضى عارمة تسمح لبعض الأطباء بالازدواجية والاشتغال كأشباح يتقاضون أجورا من ميزانية الشعب بينما يمارسون نشاطا تجاريا مربحا في ردهات المصحات الفارهة.

وبناء عليه، فإن هذا النبل الإداري المتأخر ليس سوى محاولة واضحة لتنصل الإدارة المركزية من المسؤولية التقصيرية عن النزيف الحاصل في القطاع العام، وإلقاء التبعات على كاهل المديرين الطبيين المحليين في حال حدوث أي تفتيش مباغت.

وفي ذات السياق، يساهم هذا النهج في تكريس نوع من “الأبارتايد الصحي” الطبقي؛ فبينما تبيع “أكديطال” الوهم تحت شعار “رعاية وروابط”، هي في الحقيقة تبيع الوقت المستقطع من حق الفقراء في العلاج العمومي؛ حيث أن المواطن في هذه المصحات لا يدفع ثمن الدواء فحسب، بل يدفع ضريبة الهروب من طوابير الانتظار التي ساهمت هذه المجموعات نفسها في إطالتها عبر سحب الأطباء الأكفاء نحو مراكزها. أضف إلى ذلك، فإن استقطاب هؤلاء الخبراء لا يخدم العدالة المجالية بأي حال، بل يحبس الخبرات الطبية في “كانتونات” الأغنياء بالمدن الكبرى، تاركا مغرب الهامش يواجه الموت البطيء في غياب أبسط الخدمات.

علاوة على ما سبق، فإن هذا التجريف الطبي يضرب في مقتل منظومة التكوين المستمر وتوارث الخبرات؛ لأنه عندما يغادر الأستاذ أو الاختصاصي الخبير نحو بريق المصحة، فإنه لا يترك وراءه سريرا فارغا فحسب، بل يترك جيلا كاملا من الأطباء المتدربين بلا تأطير علمي، مما يضمن تبعية القطاع العام للخاص للأبد عبر خفض جودة أطباء المستقبل بشكل ممنهج. وبالتالي يثبت هذا التناقض الصارخ بين منطق البورصة الذي يحرك استثمارات “أكديطال” وبين قدسية المرفق العام (يثبت) بما لا يدع مجالا للشك أن الأرباح التصاعدية للمساهمين تتغذى مباشرة على فشل الدولة في حماية أطرها، مستغلة في ذلك قوانين وضعت على المقاس بتأثير من لوبيات الصحة لتسهيل هذا النقل الاستراتيجي للكفاءات نحو القطاع الخاص.

ويخلص هذا التحليل النقدي إلى أن انهيار المستشفى العمومي ليس مجرد سوء تدبير عفوي، بل هو نتيجة منطقية لنموذج استثمار صحي طفيلي يتغذى على كفاءات الدولة ومقدراتها البشرية في ظل صمت مطبق وغياب رقابة صارمة من الوزارة الوصية. فالوثيقة تؤكد أن المصحات الخاصة تحولت إلى مغناطيس يجذب الأطباء المؤهلين الذين كونتهم الدولة دون أدنى تعويض مادي للخزينة، مما يستوجب اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، فرض ضريبة تكوين على هذه المصحات تعويضا عن استغلال الرأسمال البشري الوطني.

لقد باتت السيادة الصحية للمغاربة اليوم رهينة لمذكرات داخلية تحاول ضبط تقسيم الغنيمة البشرية، بينما يظل المريض الفقير هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة الاستثمارية الجشعة التي تقتات على جراح المستشفيات الحكومية المنهكة، محولة الخدمة الطبية من حق إنساني مقدس إلى مجرد سلعة للمضاربة في أسواق المال.

وأمام هذا المشهد القاتم الذي ترسمه وثائق “أكديطال” المسربة، تفرض الأسئلة الحارقة نفسها على طاولة الوزارة الوصية وعلى ضمير القائمين على الشأن الصحي بالمغرب، فإلى متى سيظل المستشفى العمومي مشتلا مجانيا لتكوين الكفاءات الطبية، فقط لتقطف ثمارها المجموعات الاستثمارية الجشعة دون أدنى تعويض للخزينة العامة؟ هل “الوقت الكامل المعدل” والتراخيص الاستثنائية هي وسيلة لتجويد الخدمة، أم أنها شرعنة قانونية لعملية سطو استراتيجي على أطر الدولة تحت أنظار الوزارة؟ أين هي لجان التفتيش والرقابة من ظاهرة الأطباء الأشباح الذين يوزعون مجهودهم بين القطاع العام والخاص، ضاربين عرض الحائط حق المواطن الفقير في الرعاية الطبية الكاملة هل نحن اليوم أمام إصلاح للمنظومة الصحية يخدم المواطن البسيط، أم أننا بصدد هندسة “ميز عنصري صحي” يكرس الهوة بين مغربين، مغرب الأغنياء في ردهات المصحات الفارهة، ومغرب الفقراء في ممرات المستشفيات المهجورة؟ وتبقى الإجابة على هذه الأسئلة هي من ستحدد ما إذا كانت الصحة في بلادنا حقا دستوريا مقدسا، أم مجرد “بضاعة” معروضة للمضاربة في أسواق البورصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *