صفقة بملايين الدراهم في وزارة الفلاحة تثير غضب المغاربة وتسائل أولويات البواري

أثارت وثيقة رسمية تتعلق بطلب عروض أطلقته وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، جدلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، كاشفة عن هوة عميقة بين أولويات التدبير الإداري والواقع المعيشي المأزوم للمغاربة.
ففي الوقت الذي تكتوي فيه الأسر بنيران أسعار الخضروات واللحوم التي بلغت مستويات غير مسبوقة، اختارت الوزارة الوصية برئاسة أحمد البواري، تخصيص مبالغ مالية طائلة من ميزانية دافعي الضرائب لتمويل صفقات تتعلق بتأمين مكاتب الوزارة وخدمات “البستنة” وتزيين الفضاءات الخضراء التابعة لها، وفق ما حملته تفاصيل طلب العروض رقم 31/2025/DAAJ.
يعكس هذا التوجه الإداري مفارقة صارخة في سلم الأولويات الحكومية؛ فبينما ينتظر المواطن مخططات استعجالية لضبط الأسواق وتخفيف حدة التضخم الغذائي الذي يضرب القدرة الشرائية في العمق، تأتي صفقات التزيين والخدمات اللوجستية لتكرس انطباعا بوجود انفصال عن النبض الشعبي.
ويرى مراقبون أن إنفاق الملايين على جمالية المكاتب في ذروة أزمة غلاء المعيشة، يضرب في الصميم خطاب الترشيد وعقلنة النفقات الذي ترفعه الحكومة في كل مناسبة، ويحول ميزانية وزارة الفلاحة من أداة لتحقيق السيادة الغذائية إلى وعاء لتمويل رفاهية إدارية لا يلمس المواطن البسيط أثرها في قفته اليومية.
تفتح هذه الواقعة نقاشا نوعيا حول أخلاقيات المرفق العام في زمن الأزمات؛ حيث لا يتعلق الأمر بمدى قانونية هذه الصفقات، بل بمدى مشروعيتها الأخلاقية وتوقيتها المستفز لمشاعر الملايين الذين يكابدون لتأمين أبسط الاحتياجات الغذائية.
تجدر الإشارة أن استمرار هذا النوع من التدبير يكرس الريع الإداري ويضعف الثقة في المؤسسات، خاصة وأن وزارة الفلاحة هي المعنية الأولى بمواجهة التحديات المناخية وضمان وفرة المنتجات الفلاحية بأسعار معقولة، وليس التفرغ لتجميد الموارد المالية في صفقات ثانوية تزيد من اتساع الفوارق بين عالم المكاتب المكيفة وواقع الأسواق الملتهبة.
والمطلوب اليوم ليس مجرد تجميل واجهات الوزارات، بل ضخ تلك الاعتمادات المالية في دعم سلاسل الإنتاج وحماية صغار الفلاحين المتضررين من الجفاف، لضمان وصول الخضر والفواكه إلى مائدة المواطن بسعر عادل، على اعتبار أنه بدون إعادة ترتيب حقيقي للأولويات يضع الأمن الغذائي فوق أمن المكاتب، سيبقى خطاب الإصلاح مجرد شعارات لا تجد صدى لها في واقع مغاربة يعيشون على إيقاع التقشف الإجباري بينما تنغمس إداراتهم في نفقات “البستنة” والرفاهية الزائدة.