إشهار “inDrive” يغزو الشوارع وحملات الحجز تلاحق السائقين.. ازدواجية معايير تسائل حكومة أخنوش وسلطات الوصاية

تتصدر اللوحات الإشهارية الضخمة لتطبيق النقل “inDrive” كبريات الشوارع والمدارات الطرقية بالمملكة، حاملة شعارات “السعر العادل” والحلول الذكية، في وقت تشن فيه المصالح الأمنية وسلطات المراقبة حملات حجز واسعة ضد السائقين المستعملين لذات المنصة بتهمة “النقل السري”.
هذا المشهد السريالي يعكس حالة من الفصام التنظيمي في تدبير المرفق العام، حيث تجني المجالس الجماعية وشركات الإشهار ملايين الدراهم من عائدات ترويج تطبيق “محظور” ميدانيا، مما يضع شعارات الحكامة والتقنين على المحك.
وتتغذى هذه الازدواجية من فراغ تشريعي متعمد، تفصل فيه السلطات بين الكيان البرمجي الذي يؤدي الرسوم الجبائية عن لوحاته الإعلانية، وبين الخدمة الميدانية التي تحارب بصرامة حماية لنظام المأذونيات التقليدي. كما يضع هذا التناقض المؤسساتي الدولة في موقف محرج؛ فهي تستفيد ماديا من وهج المغرب الرقمي عبر استخلاص عوائد الإشهار، لكنها ترفض تقنين المهنة وتترك السائق والمواطن في مواجهة مباشرة مع العقوبات الزجرية والمطاردات الأمنية.
ويكرس الوضع الراهن نوعا من الريع الإعلاني الذي يشرعن وجود العلامة التجارية بصريا ويحظرها عمليا، مما يفرغ خطط تشجيع الاستثمار التكنولوجي من محتواها ويحول الشارع العام إلى حلبة لتصفية حسابات قطاعية ضحيتها الأولى هو المرتفق الباحث عن نقل عصري.
وتستمر هذه المفارقة في تعرية غياب التنسيق بين القطاعات الحكومية، حيث تفتح الجماعات الترابية ذراعيها للمعلنين لملء صناديقها، في حين تكتفي وزارة النقل والداخلية بالحلول الأمنية كخيار وحيد عوض مواجهة اللوبيات ببدائل تشريعية تدمج اقتصاد المنصات في النسيج الرسمي.
بقاء الحال على ما هو عليه يجعل من “inDrive” نموذجا صارخا لسياسة الكيل بمكيالين، حيث يغدو القانون مرنا حين يتعلق الأمر بالتحصيل الجبائي، وصارما حد القسوة حين يتعلق الأمر بحق السائقين في الولوج إلى سوق الشغل.
جدير يالذكر أن هذه الازدواجية لا تضر فقط بصورة الاستثمار، بل تكرس تضاربا أخلاقيا وقانونيا يجعل من الدولة “مستفيدا” من إشهار خدمة تمنعها بقوة “الباراجات”، في مشهد يكرس عبارة “ديب حلال ديب حرام” في أبهى تجلياتها الإدارية.