تراجع المشاعر الإيجابية يضع المغرب في المرتبة 112 عالميا ضمن مؤشر السعادة لعام 2026

كشف مؤشر السعادة العالمي لعام 2026 عن حلول المغرب في المرتبة 112 عالميا والـ11 على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، محققا معدل 4.646 نقطة، وهو ما يعكس حالة من الاستقرار النسبي في تقييم المغاربة لجودة حياتهم رغم استمرار المسافة الفاصلة عن قائمة الدول الأكثر رفاهية.
وأظهرت البيانات التحليلية للتقرير أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد يظل المحرك الأساسي للشعور بالرضا بنسبة مساهمة تصل إلى 30%، يليه عامل الحرية الفردية بنسبة 18%، مع تسجيل تحسن طفيف في المسار الزمني العام للمؤشر منذ عام 2010، مما يؤشر على صمود مجتمعي أمام التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة. ومع ذلك، يرسم التقرير صورة معقدة للجانب النفسي، حيث ينبه إلى تراجع تدريجي في المشاعر الإيجابية مقابل تنامي المشاعر السلبية، مع بروز ظاهرة عدم المساواة في الرضا عن الحياة، حيث تتركز السعادة في فئات محددة بينما تعاني فئات أخرى من انحسار آفاق الرفاه.
وسجل المغرب مراتب متأخرة تثير القلق في مؤشري “الدعم الاجتماعي” (المرتبة 138) و”الكرم” (المرتبة 139)، وهي أرقام تبدو متناقضة مع الصورة النمطية للمجتمع المغربي المعروف بالتآزر.
ورغم أن ثقافة “مساعدة الغرباء” لا تزال صامدة كقيمة أخلاقية، إلا أن التقرير يشدد على أن مؤسسات الدعم الاجتماعي التقليدية، كالعائلة الممتدة والروابط القبلية، بدأت تفقد فاعليتها أمام ضغوط الحياة العصرية وزحف الفردانية.
ويرى خبراء أن تحسين مرتبة المغرب في السنوات القادمة لا يتوقف فقط على النمو الاقتصادي الرقمي، بل يتطلب استثمارا حقيقيا في رأس المال الاجتماعي وتقليص الفوارق الطبقية التي تغذي الشعور بالإحباط المقارن، حيث يؤدي اتساع الفجوة بين التطلعات والواقع المادي إلى تآكل الرضا النفسي العام.
ويتجاوز مفهوم السعادة في هذا التقرير حدود الرفاهية المادية ليلامس جوهر العدالة التوزيعية والشعور بالأمان المستقبلي، إذ تظهر المعطيات أن تحسين مؤشرات السعادة يمر حتما عبر تعزيز الثقة في المؤسسات وتطوير شبكات الأمان الاجتماعي الرسمية لتكمل الأدوار التي كانت تلعبها الأسر قديما.
وباتت الحاجة ملحة لتبني سياسات عمومية تضع الرفاه النفسي للمواطن في قلب المخططات التنموية، من خلال تجويد الخدمات الصحية والتعليمية وتوفير فضاءات عامة تمنح الفرد شعورا بالانتماء والتقدير. وبدون معالجة جذرية لمؤشر عدم المساواة في الرضا، سيظل التحسن في الناتج المحلي عاجزا عن صناعة مجتمع سعيد ومتصالح مع ذاته، مما يستوجب الانتقال من منطق الأرقام الاقتصادية إلى منطق جودة الحياة الشاملة.