فوضى السير بطنجة.. جرائم تحت مسمى “حوادث” تستبيح شوارع المدينة

باتت مدينة طنجة، في مشهد سريالي يدمي القلوب، تتبوأ صدارة غير مشرفة كواحدة من أسوأ المدن عالميا على مستوى السياقة داخل المجال الحضري، بعدما تحولت شوارعها وشرايينها الحيوية إلى ساحات حرب حقيقية يومية، يتنافس فيها السائقون، بوعي أو بغير وعي، على إسقاط أكبر عدد من الأرواح وتدمير الممتلكات.

فالحادث المأساوي الذي هز أركان المدينة خلال اليومين الماضيين، والمتمثل في دهس طفلة بريئة في مشهد صادم، وما تلاه من رد فعل عنيف سارع فيه والدها لقتل شخص بريء آخر، يعكس حجم الاحتقان والانهيار الأخلاقي والقانوني الذي وصلت إليه منظومة السير والجولان. هذا الوضع المأساوي لا يسائل فقط مسؤولي المدينة، بل يضع الجميع؛ من سلطات محلية، ومنتخبين، وشركات نقل، ومواطنين، أمام مسؤوليتهم التاريخية والأخلاقية حول الخطورة القصوى التي باتت المدينة تعيش في كفنها، في ظل الفوضى المستمرة والمستشرية على طرقات بوابة أوروبا التي لم تعد تليق بمكانتها الحضارية والاقتصادية.

ولعل ما يحدث على طرقات طنجة يتجاوز التصنيف التقليدي لحوادث السير ليصبح أشبه بجرائم يومية ترتكب في حق أبرياء من الأطفال والمسنين والراجلين، من طرف سائقين تحولوا، بسبب السرعة المفرطة والاستهتار بالقانون، إلى ما يشبه “آلات قتل يومي”.

هذا وتوجه أصابع الاتهام بشكل مباشر، بناء على المعطيات الميدانية، إلى جزء كبير من سائقي سيارات نقل العمال التابعة لشركات المناطق الصناعية، الذين يفرض عليهم ضغط الوقت والبحث عن الربح السريع القيادة بتهور جنوني، دون أن يجد أحد السبيل لوقف هذه الفوضى التي تحصد الأرواح. هذا الوضع المؤلم فرض حالة من العجز الجماعي، حيث يرفع الجميع الراية البيضاء استسلاما لآلة القتل اليومي، ساكنة وزوارا إلى أجل غير مسمى، في انتظار تحرك حازم يعيد الأمور إلى نصابها.

وفي سياق تعميق التحليل، لا يمكن فصل هذا الاحتقان عن سيكولوجية السرعة التي تسيطر على السائقين، الناتجة عن ضغوط العمل والحياة اليومية، بالإضافة إلى غياب الردع الصارم والمراقبة الذكية الفعالة. وتقع المسؤولية أيضا على عاتق الشركات الصناعية التي يجب أن تفرض عليها دفاتر تحملات صارمة تتعلق بسلامة نقل عمالها، لا أن تكتفي بالبحث عن أقل تكلفة على حساب أرواح المواطنين. كما أن التخطيط العمراني للمدينة، الذي لم يواكب التوسع السريع والكثافة السكانية الهائلة، ساهم في اختناق الشوارع وخلق بؤر سوداء للخطورة. إن الحل لا يكمن فقط في زيادة عدد عناصر المرور، بل في اعتماد مقاربة شمولية تدمج بين التوعية، والتشديد القانوني، وتحديث البنيات التحتية، وإعادة تأهيل العنصر البشري الذي يقف خلف عجلة القيادة، وإلا فإن طنجة ستظل تدفع فاتورة باهظة من دماء أبنائها يومياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *