تطوان.. معركة الحكامة الأمنية بين صرامة الميدان وابتزاز الفضاء الرقمي

لم تعد النجاحات الأمنية بمدينة تطوان مجرد أرقام تدرج في التقارير السنوية لتزيين المشهد أو توثيق أنشطة روتينية، بل تحولت إلى واقع ملموس يعيد تشكيل المعادلة الأمنية في المدينة بأكملها. هذا التحول الجذري، الذي يقوده والي أمن المدينة، محمد الوليدي، برؤية ميدانية صارمة ومهنية عالية، قلب المعادلات التقليدية لشبكات الإجرام المنظم التي اعتادت الاستفادة من مناطق الظل والفراغ لترسيخ نفوذها، خاصة في مجالات التهريب والاتجار الدولي في المخدرات.

وتظهر القراءة المتأنية للمشهد بوضوح أن النجاح لا يقاس بالانطباعات العابرة، بل بلغة الأرقام التي وثقت تفكيك شبكات خطيرة، وحجز أطنان من الممنوعات، وإيقاف رؤوس مدبرة كانت تعتبر نفسها فوق القانون، مما كبد هذه الشبكات خسائر مالية تقدر بملايين الدراهم، وهو ما يفسر السعار الإعلامي والتحركات اليائسة التي تواجهها المؤسسة الأمنية.

ولأن الأمن القوي والمنضبط يزعج قوى الفوضى والمستفيدين من اقتصاد الظل، لجأت جهات تضررت مصالحها إلى حملات تشويه ممنهجة، يقودها من خارج البلاد المدعو هشام جيراندو، المقيم بكندا، والمحكوم غيابيا بـ 15 عاما في قضايا ذات صلة. هذا الأخير لا يمارس النقد الصحفي البناء، بل يمارس الابتزاز الرقمي بضخ أخبار مفبركة وروايات انتقائية تفتقر لأي دليل مادي، محاولا “شيطنة” المسؤولين الأمنيين لزعزعة الثقة في المؤسسات الوطنية.

ورغم هذا الضجيج الافتراضي، تبقى هذه الاتهامات مجرد ادعاءات لم تنجح في تقديم قرائن قانونية واضحة أو أدلة ملموسة أمام الرأي العام، ما يؤكد أن المعركة هي معركة مصالح وليست معركة حقوق.

وفي خطوة مهنية وقانونية حازمة تعكس ثقة المؤسسة في عملها، نقلت ولاية أمن تطوان المعركة إلى الملعب القضائي الدولي، حيث تم رفع شكاية أمام القضاء الكندي ضد جيراندو بتهمة التشهير ونشر أخبار زائفة. هذا الإجراء يمثل تحولا نوعيا في طريقة التعامل مع التهديدات السيبرانية والابتزاز العابر للحدود، ويؤكد الثقة في نزاهة العمل الميداني الذي يواجه ادعاءات افتراضية بحقائق قانونية.

وما يعزز قوة المقاربة الأمنية الحالية هو قدرتها الذكية على التوازن بين تطبيق القانون واحترام حقوق الإنسان، وهو ما تجلى بوضوح في التعامل مع الاحتجاجات الشبابية الأخيرة (جيل Z)، حيث تم اعتماد الحوار وضبط النفس بدلا من العنف، مما أجهض محاولات استغلال هذه الاحتجاجات لإحداث فوضى اجتماعية. هذه الحكامة الأمنية تعكس وعيا عميقا بضرورة تحصين الجبهة الداخلية وكسب ثقة المواطن كشريك أساسي في الأمن. وفي نهاية المطاف، يبقى المواطن التطواني هو الحكم الفيصل؛ فالتراجع الملحوظ في معدلات الجريمة، والشعور المتزايد بالأمان، هما الحقيقة التي تعلو فوق كل حملة مغرضة.

ويبقى التحدي الأكبر هو استمرار التقييم المؤسساتي الداخلي، والشفافية في التعامل مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة، لضمان استدامة النجاح الأمني وتعزيز دولة الحق والقانون في مواجهة محاولات التشويش والابتزاز الرقمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *