بلاغ “البيجيدي” بمكناس.. حين يفتي “المفلسون” في فنون التدبير الجماعي

في الوقت الذي كانت فيه مدينة مكناس تتنفس الصعداء، وتستشعر بوادر صحوة تدبيرية أعادت للمالية الجماعية توازنها المفقود، أطل علينا حزب العدالة والتنمية ببلاغ سريالي لا يمت للواقع بصلة، بلاغ يضرب رقما قياسيا في المزايدة السياسية الرخيصة، ويسعى بائسا لخلط الأوراق وتضليل الرأي العام المكناسي. ولعل قراءة متفحصة لهذا البيان الهزيل تكشف عن صدمة حقيقية يعيشها أصحاب البلاغات الرنانة أمام لغة الأرقام الصارمة التي فضحلت تدبيرهم الكارثي للولاية السابقة، حيث تحاول هذه النخبة المتهاوية الاستمرار في سياسة الهروب إلى الأمام عبر اختلاق أزمات وهمية ورفع عقيرة الصراخ، في محاولة يائسة لتغطية الشمس بالغربال، متجاهلة أن زمن التضليل قد ولى، وأن المواطن المكناسي أصبح أكثر وعيا وقدرة على التمييز بين العمل الميداني الصامت وبين البيانات الإنشائية الفارغة من أي مضمون.
وفي محاولة بائسة لركوب موجة الأحداث، حاول البلاغ استغلال الأجواء المشحونة التي شهدتها الجلستان الأولى والثانية من دورة فبراير الجاري، والتي طفت فيها على السطح اتهامات خطيرة تتعلق بالرشوة والسمسرة تبادلها مستشارون بشكل علني، في سلوك يعكس رغبة الحزب في تنصيب نفسه قاضيا وخصما وحكما، منطلقا من عقيدة فوقية تعتبره فوق الجميع ومنبرا لتقديم الدروس الأخلاقية، بينما هو في الحقيقة أحد أطراف هذا المشهد المسموم. وهنا يطرح السؤال الجوهري الذي يضع الحزب أمام حقيقته وهو لماذا لم يتجه حزب العدالة والتنمية بمكناس لسلك المسطرة القضائية ورفع شكاية إلى الوكيل العام لفتح تحقيق في هذه الاتهامات الخطيرة؟ أم أن لغة البلاغات والتهويل والمزايدات هي السلاح الوحيد الذي يتقنونه، في وقت ينتظر فيه الرأي العام المكناسي أن يترجم هذا الحزب ادعاءاته إلى أفعال، بأن يكون بقدر قوله بقدر فعله؟
الأنكى من ذلك، أن هذا الحزب الذي يتحدث اليوم بلسان الرقيب النزيه هو نفسه من ترك خزانة الجماعة في حالة إفلاس حقيقي، مخلفا وراءه عجزا ماليا ضخما قدر بنحو 19 مليار سنتيم، في حقبة سوداء لم تتوقف عند سوء التدبير، بل امتدت لتشمل خروقات مالية فاضحة بقسم الجبايات، حيث عرت لجان تابعة لوزارة المالية تلاعبات خطيرة في مبالغ الاستخلاص من المواطنين، وهو ما وضع الحزب وقتها في موقف حرج كشف عورته في مواكبة الموارد المالية، وتسبب في نزيف حاد للمداخيل جعل الجماعة تحت رحمة السكتة القلبية. وجاءت بعد ذلك فترة تدبير جواد باحجي لتزيد الطين بلة، وتعمق جراح المالية الجماعية بمزيد من التخبط والعجز، ليجد المجلس الحالي نفسه أمام تركة مثقلة تطلبت مجهودات جبارة وسنة كاملة من العمل الدؤوب لإعادة النبض لشرايين المدينة.
هذا المجهود الاستثنائي الذي قاده عباس الومغاري وفريقه، هو ما يفسر اليوم هذا الهجوم الشرس واليائس؛ فبإنجازاتهم الرقمية الملموسة، يرى أصحاب البلاغ صرح أوهامهم يتهاوى، ويفقدون حجتهم الواهية في انتقاد تسيير أصبح اليوم نموذجا في النجاعة والحكامة. ولعل الذروة في هذه المسرحية الهزلية تكمن في استناد الحزب في بلاغه إلى تقرير المجلس الأعلى للحسابات، متناسين بذكاء مصطنع أن التقرير يدين فترة ولاية باحجي ولا علاقة له بالولاية الحالية، والأكثر إدانة لهم هو غيابهم التام وغير المبرر عن الجلسة التي خصصت لمناقشة هذا التقرير، في تصرف ينم عن جبن سياسي واضح، ويكشف أنهم يمارسون المعارضة الفيسبوكية خوفا من المواجهة المباشرة داخل ردهات المجلس حيث تطرح الحقائق ويتم الإدلاء بالأرقام.
اليوم لغة الأرقام لا تكذب، فقد قفزت مداخيل الجماعة بنسبة 17% في ظرف عام واحد فقط، وارتفعت مداخيل المحطة الطرقية بنسبة خيالية بلغت 142%، وهي أرقام تخرس كل مشكك، وتضع نقطة نهاية لعهد التدبير العشوائي الذي تسبب فيه أصحاب البلاغ ومن جاء بعدهم. فهؤلاء الذين يسعون اليوم، من خلال لغتهم الخشبية، إلى استصغار مجهودات طاقم إداري شاب وفعال أرسى حكامة مالية هجومية، لن يزيدوا الساكنة إلا قناعة بأن حزب العدالة والتنمية، بعد أن عاث تخبطا في ميزانية المدينة وفشل في حماية قسم الجبايات من التلاعبات عندما كان في موقع المسؤولية، أصبح يعيش حالة من الانفصام السياسي؛ يتباكى فيه على وضع مالي ساهم هو في تأزيمه، ويرفض الاعتراف بنجاح تدبيري حقق في شهور ما عجزوا هم عن تحقيقه لسنوات.