النقطة 22.. حين تتحول معارضة مجلس جماعة مكناس إلى آلة عرقلة

لم تكن دورة فبراير لمجلس جماعة مكناس مجرد نقاش حول نقطة مدرجة في جدول الأعمال، بل كانت اختبارا مكشوفا للنوايا السياسية. فالمعارضة التي رفعت سقف الاعتراض على النقطة 22 المتعلقة بسكن الموظفين، لم تكن في حقيقة الأمر تناقش تفاصيل تقنية أو تتحفظ على مسطرة قانونية، بل كانت تناور حول شيء واحد واضح لا لبس فيه وهو، منع تمرير الملف حتى لا يحسب حله في رصيد الرئيس الحالي عباس الومغاري.

منذ اللحظة الأولى، بدا أن جوهر الخلاف لا يتعلق بمصلحة الموظف الجماعي، بل بمن سيقطف ثمار إنهاء ملف عمره ثمانية عشر عاما ظل حبيس الرفوف منذ 2008، تتقاذفه المجالس دون جرأة الحسم، إلى أن قررت الرئاسة الحالية إخراجه من ثلاجة الانتظار وفتحه بتنسيق مع جمعية الأعمال الاجتماعية وممثلي النقابات. وهنا بالتحديد بدأ الارتباك داخل صفوف المعارضة، لأن تمرير النقطة 22 لا يعني فقط تسوية وضعية اجتماعية عالقة، بل يعني تثبيت إنجاز سياسي ينسب للمجلس الحالي.

ولأن السياسة عند البعض تختزل في حساب الأرباح والخسائر، تحولت الجلسة إلى معركة لمنع تسجيل نقطة في مرمى الخصم، حتى ولو كان الثمن استمرار معاناة الموظفين. والضجيج الذي ملأ القاعة صباحا سرعان ما انطفأ مساء، حين غابت نفس الوجوه عن استكمال الأشغال. وبالتالي لم يكن ذلك مجرد تغيب عابر، بل رسالة واضحة مفادها أن الهدف لم يكن النقاش، بل التعطيل.

ويبقى أخطر ما في هذا السلوك أنه يضرب جوهر العمل الجماعي في مقتل، على اعتبار أن المعارضة، في معناها النبيل، توجد لتقويم القرارات وتحسينها، لا لنسفها فقط لأنها قد تمنح خصما سياسيا رصيدا إضافيا. أما حين يصبح منطق “لا نمرر حتى لا يحسب له” هو القاعدة، فإننا نكون أمام ممارسة لا علاقة لها بالرقابة الديمقراطية، بل بحسابات ضيقة تُقدّم الصراع الشخصي على المصلحة العامة.

ثم إن الاستمرار في تجميد هذا الملف لا يحمل فقط كلفة سياسية، بل كلفة اجتماعية ومالية أيضا. فالعقار الذي كان يمكن تدبيره قبل سنوات بشروط أقل كلفة، تضاعفت قيمته اليوم مرات عدة، وكل تأخير إضافي يعني عمليا تحميل الموظف عبئا أكبر. ومع ذلك، اختارت المعارضة أن تجعل من الزمن أداة ضغط، لا أداة حل.

والمفارقة أن نفس الخطاب الذي يرفع شعارات الدفاع عن الشغيلة في الحملات الانتخابية، هو الذي يقف اليوم في وجه تسوية ملف سكنهم. هنا يسقط القناع السياسي، لأن الدفاع الحقيقي عن الكرامة الاجتماعية لا يكون بإسقاط النقاط من جدول الأعمال، بل بتمرير الحلول بعد تحسينها إن اقتضى الأمر.

الحقيقة التي يصعب على البعض الاعتراف بها، أن إخراج هذا الملف إلى حيز التنفيذ يحسب للرئاسة الحالية، شئنا أم أبينا. غير أن النضج السياسي يقتضي التسليم بأن الإنجاز، متى تحقق، هو مكسب للمدينة قبل أن يكون مكسبا لشخص. أما تحويل معاناة الموظفين إلى ورقة في صراع من أجل الرمزية والفضل، فذلك انزلاق خطير في أخلاقيات التدبير المحلي.

لقد كشفت دورة فبراير أن جزءا من المعارضة لا يخشى فشل المشروع بقدر ما يخشى نجاحه. لأن النجاح، في هذه الحالة، سيدون في سجل الومغاري، وسيحسب عليه أنه أنهى ملفا استعصى على غيره. وهنا بالتحديد تكمن عقدة المشهد وهو أن الخلاف ليس حول السكن، بل حول من ينسب إليه فضل الحل.

غير أن الموظف الجماعي لم يعد معنيا بهذه الحسابات الصغيرة. ما يهمه هو أن يرى الملف يطوى بعد سنوات من الانتظار، وأن تتحول الوعود إلى قرارات. أما صراعات “من يحسب له الإنجاز”، فلها موعد آخر مع ذاكرة الناخبين، الذين يميزون جيدا بين من سعى إلى الحل ومن سعى إلى تعطيله فقط لأنه لم يصدر عنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *