مندبة الجديدة الاستثنائية.. حين يتحول حزب الحكومة إلى “جوقة عويل” في وداع الكفيل

المستقل _ فؤاد السعدي
في مشهد يختصر بؤس السياسة حينما تتحول إلى “ميلودراما” رخيصة، أبى المؤتمر الإستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار المنعقد بالجديدة إلا أن يمنح المغاربة عرضا مسرحيا لم يكن ينقصه سوى موسيقى تصويرية حزينة وستار يسدل على وجوه لم تتقن يوما فن البكاء إلا على مقاعدها. لقد تحولت القاعة من فضاء لمناقشة الحصيلة الحكومية المنهكة وأرقام البطالة المخيفة إلى “مندبة” جماعية وسوق للمزايدات العاطفية، حيث تساقطت دموع كبار المسؤولين بسخاء لا يضاهيه إلا سخاء الوعود التي تبخرت في جيوب المواطنين. نعم، يا له من مشهد سريالي؛ رجال دولة يرتدون أفخر البدلات وأبهى رابطات عنق، ينهارون بالبكاء لأن “الزعيم” قرر أن يريح ويستريح، وكأن الوطن ضاع بضياع ولاية أخنوش، أو كأن الحزب صار يتيما بمجرد أن قرر “الأب الروحي” العودة إلى محراب استثماراته بعيدا عن صخب المكاتب. ولعل المثير للسخرية السوداء، والموجع في آن واحد، هو أن هذه الغدد الدمعية التي استنفرت كل طاقتها لوداع أخنوش، كانت في حالة صيام جاف وتام حينما كان المغاربة يلملمون أشلاء بيوتهم تحت أنقاض زلزال الحوز، وحينما كانت سيول آسفي تبتلع أحلام البسطاء وتتركهم في العراء.
أين كانت هذه الدموع السخية حينما صرخ سكان القصر الكبير تحت وطأة الفيضانات؟ أين كانت هذه الرقة الإنسانية والوزراء يشاهدون صعودا صاروخيا لأسعار المحروقات والمواد الأساسية وهي تنهش لحم الطبقة المتوسطة؟ يبدو أن دموع هؤلاء المسؤولين لها دفتر تحملات خاص، فهي لا تذرف إلا في القاعات المكيفة، وأمام عدسات الكاميرات التي تنقل وفاء الأتباع، أما مآسي الشعب فهي مجرد أرقام إحصائية تعالج ببرود تقنوغرافي لا مكان فيه للعاطفة. إنها دموع “VIP” التي لا تنزل إلا على ضياع الامتيازات أو رحيل الحامي، بينما يظل الصمت هو الجواب الوحيد على أنين الأمهات في الجبال البعيدة. لقد كشف هذا المؤتمر الجنائزي أننا أمام طبقة سياسية تملك فائضا في التمثيل وعجزا في المواطنة؛ فأن تبكي لأن رئيسا يغادر كرسيه، بينما لم تذرف دمعة واحدة على شاب انتحر يأسا من البطالة أو مريض مات على عتبات مستشفى عمومي، هو قمة الانحطاط القيمي والسياسي.
الأكثر مدعاة للضحك المر، هو أن هؤلاء البكائين لم يلحظوا أن نصف جيشهم المفترض قد تخلف عن الحضور؛ فأكثر من ألف مؤتمر غابوا عن المشهد، ربما لأنهم لم يجدوا في ميزانية الحزن ما يكفي لتغطية مصاريف النقل، أو لأنهم أدركوا أن المسرحية بلغت فصلا لا يستحق التصفيق. وبينما كان الطالبي العلمي يغالب غصته، وأخنوش يحاول استجداء العاطفة، كانت الكراسي الفارغة تصرخ بالحقيقة التي حاول الجميع إخفاءها تحت مناديل الورق وهي أن الولاء كان لـ “الحافلة المكيّفة” والوجبات الفاخرة، لا للمشروع أو الفكرة. فهذا العويل السياسي ليس إلا تعبيرا عن الرعب من القادم، والخوف من مواجهة صناديق الاقتراع بلا صدر حنون يمول ويخطط ويحمي. لقد انتهى المؤتمر وصارت الدموع جافة، لكنها ستبقى وصمة عار في ذاكرة المغاربة الذين عرفوا الآن أن مسؤوليهم يملكون قلوبا تفيض حنانا على بعضهم البعض، لكنها تملك قسوة الحجر حينما يتعلق الأمر بوجع الشعب. فوداعا لعهد البكاء على الأطلال الزرقاء، وأهلا بزمن سيكتشف فيه الجميع أن الدموع لا تخبز خبزاً ولا تبني وطنا، ولا تستر عورة حزب انكشف حجمه الحقيقي بمجرد أن جفت منابع “البرستيج”.