تمرد طريشة يضع السكوري في ورطة.. كواليس الحرب الباردة وصفقات المليار التي تفجر مكتب التكوين المهني

تحول مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، الذي من المفترض أن يكون رافعة أساسية لتأهيل الشباب وإدماجهم في سوق الشغل، إلى نموذج صارخ لسوء التدبير وهدر المال العام، في ظل قيادة إدارية وسياسية عجزت عن تقديم حصيلة تقنع الرأي العام أو تعيد الاعتبار لمؤسسة باتت تضرب بها الأمثال في الجمود والبطالة بدل الكفاءة والتشغيل.

ففي عهد المديرة العامة لبنى طريشة، وتحت وصاية الوزير يونس السكوري، لم يعد التكوين المهني ينظر إليه كخيار استراتيجي، بل كملاذ اضطراري للراسبين والمطرودين من التعليم العمومي، بعد أن فقد بريقه ومصداقيته، وعجز عن تحقيق الأهداف التي سطرت له ضمن الرؤية الملكية السامية لتطوير القطاع.

الأخطر من ذلك، أن المكتب تبنى، وفق ما يتداوله نقابيون ومتابعون وما تؤكده سجلات الصفقات العمومية، منطقا يثير الكثير من التساؤلات حول نجاعة صرف الميزانيات؛ حيث تمرر صفقات ضخمة لشركات بعينها دون أثر ملموس لهذه المليارات على جودة التكوين أو ظروف المتدربين الذين يعانون داخل مراكز تفتقر لأبسط المواد الأولية للتطبيق الميداني. وتفجر هذا الوضع إلى العلن مع ما وصفه متابعون بالتمرد البيروقراطي غير المسبوق، حين خرجت إدارة طريشة ببيان ناري يهاجم الوزير الوصي يونس السكوري، ردا على تصريحاته بخصوص تأخر صرف المنح؛ وهو بيان لم يكتف بنفي المسؤولية، بل كشف عمق الشرخ داخل قطاع يفترض أن يدار بروح الانسجام، لا بمنطق التحدي وتصفية الحسابات الشخصية، وهو ما يزكيه ما يتداول حول تصريحات منسوبة للمديرة العامة تدعي فيها توفرها على قوة تضمن بقاءها في منصبها رغم الوزير والحكومة، مما يطرح أسئلة مقلقة حول مفهوم سلطة الوصاية وحدود المحاسبة.

وفي خضم هذا التوتر، يبرز الجدل حول صفقات مثيرة للشكوك، حيث تم صرف أزيد من مليار و100 مليون سنتيم على التواصل والتسويق الإعلامي؛ فوفق المعطيات التقنية المتوفرة، خصصت قرابة 559 مليون سنتيم للتواصل المؤسساتي، و360 مليون سنتيم للتسويق لمدن المهن والكفاءات (CMC)، و200 مليون سنتيم للطباعة، في وقت تعاني فيه هذه المدن من تعثرات بنيوية وتأخر في تحقيق الأهداف المرجوة منها.

هذه الملايين تنفق لتلميع الصورة، بينما تفتقر ورشات الميكانيكا والكهرباء والمخابز للمعدات الأساسية ويشكو المتدربون من الاكتظاظ وضيق الآفاق، يعد طعنة في عمق الدولة الاجتماعية. وفي هذا السياق، جاءت تنبيهات البرلمانية سلوى البردعي لتضع النقاط على الحروف، معتبرة أن هذه النفقات تأتي في سياق متأزم تسوده الخلافات العلنية، ومتسائلة عن جدوى صرف المال العام في “البروباغندا” بدل الاستثمار في الإنسان والتجهيز وربط التكوين بسوق الشغل الحقيقي.

ما يجري اليوم داخل مكتب التكوين المهني لم يعد مجرد اختلالات عابرة، بل هو عرقلة واضحة لمشروع وطني استراتيجي يمس مستقبل آلاف الشباب المغاربة؛ أزمة تختزل في إدارة ترفض المحاسبة، ووصاية عاجزة عن فرض الانضباط، ومال عام يبذر بسخاء على الصورة دون نتائج ملموسة على أرض الواقع. وإلى أن تتحرك آليات الرقابة والمساءلة، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، سيبقى هذا المرفق عنوانا صارخاً للفشل، ومثالا مؤلما على كيف يمكن لمؤسسة استراتيجية أن تتحول إلى عبء على الدولة بدل أن تكون قاطرة للتنمية وإدماج الشباب في الدورة الاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *