عقيدة “أنا أو الطوفان”.. هل قرر أخنوش كتابة فصل الإعدام لحزب الأحرار؟

يمر حزب التجمع الوطني للأحرار بمرحلة انتقالية دقيقة، تفتح الباب أمام نقاش واسع حول طبيعة التحولات الجارية داخله وحدودها السياسية والتنظيمية. فالمشهد الحالي لا يستقيم اختزاله في خطاب التجديد النخبوي، كما لا يبدو منصفا اعتباره مجرد عملية هدم متعمدة لتاريخ الحزب، بقدر ما يعكس إشكالا بنيويا يرافق الأحزاب ذات الزعامة القوية عندما تقترب من لحظة ما بعد القائد.

في هذا السياق، يثير الدفع بشخصية ذات طابع تقني مثل محمد شوكي إلى الواجهة أسئلة مشروعة حول معايير الاختيار وآليات التداول داخل الحزب. فالبعض يقرأ هذا الخيار باعتباره رهانا على الاستمرارية الهادئة وضبط التوازنات الداخلية، فيما يرى آخرون أنه يعكس انتقالا يغلب منطق التنفيذ والولاء على التراكم السياسي والشرعية النضالية. وبين هاتين القراءتين، يظل السؤال الحقيقي مرتبطا بالنموذج التنظيمي الذي حكم الحزب خلال السنوات الأخيرة.

هذا النقاش يزداد حدة مع تراجع حضور أسماء سياسية وازنة، من قبيل محمد أوجار وغيره، وهو تراجع لا يفصله منتقدو المسار الحالي عن ميل متزايد نحو تركيز القرار داخل دائرة ضيقة. ومثل هذا الاختيار قد يوفر للحزب استقرارا مؤقتا ويقلص هامش الصراع الداخلي، لكنه في المقابل يطرح كلفة سياسية مؤجلة، تتمثل في إضعاف التعددية الداخلية وتجفيف إمكانات التجدد الذاتي.

مع ذلك، لا يبدو من الدقة اختزال هذا المسار كله في إرادة شخص واحد، على اعتبار أن الحزب الذي يسمح، تنظيميا وسياسيا، بأن يختزل في زعيمه، يكشف بالضرورة عن هشاشة مؤسساته الداخلية وعن محدودية قدرة نخبه على إنتاج توازن مستقل. من هنا، ينتقل النقاش من سؤال النوايا الفردية إلى سؤال أعمق يتعلق بقدرة الحزب نفسه على بناء قيادة جماعية قادرة على الاستمرار بمعزل عن الأشخاص.

وتبرز هذه الإشكالية بشكل أوضح مع انعقاد المؤتمر الوطني، الذي يفترض فيه أن يشكل لحظة ديمقراطية فاصلة. غير أن الطريقة التي تم بها إدارة هذا الاستحقاق دفعت بعض المتابعين إلى اعتباره محطة انتقال متحكم فيها بدقة. أنصار هذا الخيار يرون فيه وسيلة لتفادي انقسامات حادة قد تضر بصورة الحزب وموقعه، بينما يعتبره منتقدوه مجرد تأجيل للنقاش الحقيقي حول الشرعية والتمثيلية وحدود القرار داخل التنظيم.

في ضوء كل ذلك، لا يبدو الحزب مقبلا على نهاية تراجيدية حتمية، كما لا يملك في المقابل ضمانات نجاح أكيد. الوضع أقرب إلى مفترق طرق مألوف في تاريخ التنظيمات السياسية. فإما أن ينجح في التحول من حزب تشكل حول زعيم إلى مؤسسة سياسية قادرة على إنتاج قيادتها وتجديد مشروعها، وإما أن يظل رهين أسماء بعينها، فيكسب هدوءا ظرفيا ويخسر المعنى على المدى البعيد.

ويبقى الرهان الحقيقي هو من يخلف من، بل بقدرة الحزب على أن يتجاوز صانعيه، وأن يثبت أنه كيان سياسي حي، لا مجرد امتداد ظرفي لمرحلة أو لشخص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *