حمى المحاسبة تطال 13 جماعة وشركات عمومية.. المجلس الأعلى للحسابات يرفع “البطاقة الحمراء” في وجه مبددي المال العام

في سياق ترسيخ مبادئ الحكامة والمسؤولية والمحاسبة، كشف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم الفترة 2024-2025 عن دينامية رقابية مكثفة، تجلت في إحالة الوكيل العام للملك لدى المجلس على الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض لعشرين ملفا تتعلق بأفعال قد تستوجب عقوبة جنائية، وهي الملفات التي توزعت جرديتها بين 13 جماعة ترابية، وأربع مؤسسات عمومية، ومرفق من مرافق الدولة، وشركة عمومية واحدة، وجمعية واحدة، مما يؤشر على صرامة في تتبع أوجه صرف المال العام.

وقد أبرز التقرير أن المحاكم المالية أصدرت في هذه الفترة 4452 قرارا وحكما نهائيا همت التدقيق والبت في الحسابات، حيث بلغت نسبة قرارات إبراء الذمة 95٪ بواقع 4235 قرارا، مقابل 217 قرارا قضت بالعجز في حسابات المحاسبين بمبلغ إجمالي ناهز 57.882.097,54 درهم؛ واللافت في هذه الأرقام أن 95٪ من هذا العجز المالي يعود لعدم اتخاذ الإجراءات الواجبة في تحصيل الموارد، بينما لم تتجاوز نسبة العجز المرتبطة بصحة النفقة 5٪، وهو ما يعزوه المجلس إلى الأثر الإيجابي للأنظمة المعلوماتية ونظام التدبير المندمج للنفقات، وكذا الدور التربوي لنشر القواعد المستنبطة من أحكام المحاكم المالية.

ومع ذلك، لم يخل التقرير من مراجعة نقدية، حيث أشار إلى إشكالية نجاعة مسطرة التدقيق والبت في الحسابات فيما يخص مراقبة صحة النفقة، بالنظر إلى كلفة المسطرة وحدود نظام المسؤولية الحالي في ظل التحولات الرقمية، ورغم هذه الإكراهات، تمكنت المحاكم المالية من استرجاع ما قيمته 16.433.633,29 درهم قبل إصدار القرارات النهائية، وذلك بفضل مذكرات الملاحظات والقرارات التمهيدية الموجهة للمحاسبين العموميين.

أما على مستوى التأديب المالي، فقد سجلت المحاكم المالية مسؤولية 99 متابعا، وصدرت غرامات إجمالية قدرها 4.139.000 درهم في 72 ملفا، مع استرداد مبالغ فاقت المليون درهم، في حين تم التصريح بعدم ثبوت المؤاخذة في 27 ملفا. وتكشف المعطيات أن المخالفات تعود في مجملها إلى اختلالات في أنظمة الرقابة الداخلية وضعف التنسيق ونقص الموارد البشرية، مع الإشارة إلى أن المؤسسات العمومية استأثرت بنحو 80٪ من القضايا الرائجة لدى المجلس، بينما هيمن رؤساء الجماعات الترابية على نسبة 47٪ من المتابعين لدى المجالس الجهوية للحسابات.

وفي جانب إيجابي يعكس تفاعل الأجهزة مع الملاحظات الرقابية، أورد التقرير أن بعض الهيئات بادرت لاتخاذ إجراءات تصحيحية قبل مباشرة المساطر القانونية، مما حقق أثرا ماليا إيجابيا قدر بـ 629,2 مليون درهم، إلى جانب آثار إدارية وبيئية، كما لفت المجلس إلى أن أكثر من 95٪ من الشكايات التي يتوصل بها تفتقر للعناصر الجدية لإثارة المسؤولية، مؤكدا في ختام تقريره أن الغاية من نشر هذه الأحكام هي توضيح المقتضيات القانونية للتدبير العمومي، والتنبيه للأفعال المخالفة لقواعد التسيير الجيد، وضمان التوازن الضروري بين كلفة المساطر القضائية وفاعليتها في تصحيح الاختلالات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *