تكتيك “الهروب الآمن”.. هل تعمدت الجزائر السقوط أمام نيجيريا لتفادي “زلزال” المواجهة مع المغرب؟

تتجاوز قراءة المشهد الرياضي في شمال إفريقيا حدود المستطيل الأخضر لتكشف عن تداخل عضوي بين حسابات السياسة وصافرة الحكم، حيث أصبحت الملاعب ساحات بديلة لإدارة الأزمات السيادية وتجنب الانكسارات الرمزية. وفي هذا السياق، تبرز الهزيمة الأخيرة للمنتخب الجزائري أمام نظيره النيجيري كنموذج صارخ لمبدأ إدارة المخاطر التي تنتهجها السلطات الجزائرية، إذ تشير كل القراءات الموضوعية لمجريات الأحداث إلى أن الخروج أمام نيجيريا لم يكن مجرد إخفاق فني، بل كان خيارا تكتيكيا لتفادي “فخ” مواجهة المنتخب المغربي في الأدوار الموالية. فالمؤشرات الميدانية والزخم الذي يرافق الكرة المغربية في السنوات الأخيرة وضع النظام الجزائري أمام خيارين أحلاهما مر، فإما الاستمرار والمخاطرة بلقاء مباشر مع أسود الأطلس قد ينتهي بنتيجة كارثية تعمق جراح النظام داخليا، وإما الانسحاب تحت غطاء الهزيمة أمام خصم قوي وتقليدي مثل نيجيريا.

فالمتتبع لمجريات تلك المباراة يلحظ كيف تم توظيف قوة المنتخب النيجيري لتمرير سيناريو الإقصاء دون إثارة الكثير من الشكوك؛ على اعتبار أن التفوق الميداني والبدني لنيجيريا منح الهزيمة الجزائرية شرعية فنية مضللة، وأبعد عنها صبغة الترتيب المكشوف، لتظهر الخسارة وكأنها نتيجة منطقية لفارق المستوى. هذا الهروب إلى الأمام يفسر بوضوح الحالة الذهنية التي تسيطر على صناع القرار في الجزائر، حيث بات الهاجس الأكبر هو تجنب الفضيحة الكروية أمام المغرب التي لا يمكن تبريرها أو امتصاص تداعياتها شعبيا، بخلاف الخسارة أمام نيجيريا التي تظل في إطار التنافس القاري المعتاد.

وما يؤكد هذه القراءة التحليلية هو ما أعقب المباراة من استنفار إعلامي جزائري موجه، حيث تم القفز بسرعة فوق أخطاء المدرب وتراجع مستوى اللاعبين، ليحل محلها خطاب مظلومية مكرر يتهم التحكيم والكواليس واليد المغربية الخفية في الاتحاد الإفريقي. هذا الانزياح السريع نحو نظرية المؤامرة يثبت أن الهدف لم يكن يوما هو الفوز باللقب، بل كان حماية السردية السياسية للنظام؛ فبالنسبة للسلطات الجزائرية، الخسارة أمام نيجيريا بـفعل فاعل خارجي هي انتصار سياسي يخدم خطاب الحصار والمؤامرة، بينما المواجهة مع المغرب كانت ستحمل الحقيقة العارية التي يخشاها النظام، وهي التفوق التقني والمؤسساتي للجيران، مما يجعل من تعمد الخسارة أمام نيجيريا قرارا سياديا لحماية ما تبقى من بريق رياضي مصطنع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *