“دون كيشوت” الكرة المصرية.. في هجاء الناموس وفن الاستقواء بالأطلال

يتجلى في المشهد الرياضي العربي نماذج تتجاوز في سرياليتها حدود المنطق الكروي، لعل أبرزها تلك الظاهرة التي يجسدها الكابتن حسام حسن؛ حيث لم تعد كرة القدم في عهده صراعا تكتيكيا بين عقلين، بل تحولت إلى دراما تراجيدية يمتزج فيها “النواح” بفنون التنصل من المسؤولية. ففي الوقت الذي ينكب فيه المدربون على فك شفرات الخصوم، كان “العميد” بمدينة طنجة منشغلا باكتشاف ظاهرة بيولوجية فريدة أذهلت الأوساط العلمية، وهي “ناموس الشتاء القارس”؛ خصوصا بعدما ادعى تعرضه لهجوم كاسح من بعوض يمتلك قدرة خارقة على الصمود في الصقيع، وكأن هذا الناموس كان يمارس “رقابة لصيقة” عجز مدافعوه عن تطبيقها فوق العشب الأخضر أما زملاء ساديو ماني. ولم يقف الشطط عند حدود علم الحشرات، بل امتد لقطاع الضيافة، حين استحال الفندق ذو النجوم الخمس المطل على زرقة المتوسط في عينه “بنسيونا” متهالكا، ربما لعدم توفر “منصة للبكاء” تليق بمقامه الرفيع.

أما عن الفلسفة التدريبية، فنحن أمام نمط يوصف بأنه “الأخبث” في تاريخ الكرة المصرية؛ حيث يرتكن الفريق تحت قيادته إلى تقوقع دفاعي مهين طيلة تسعين دقيقة، دون خلق فرصة واحدة تبرر الوجود فوق الميدان، لتبدأ المباراة الحقيقية للعميد فور إطلاق صافرة النهاية. هنا، يتحول السكون إلى صخب، والاحتراز إلى هجوم كاسح يطال التحكيم والإقامة وسوء الطالع، لتصبح “الشماعة” هي الأداة التكتيكية الأهم في حقيبته. وإن هذا المستوى المعرفي المتواضع ليدفعنا للفخر بمدربينا وإعلامنا الذين ارتقوا باللعبة إلى مصاف الاحترام المهني، بعيدا عن الغوغائية التي تستعيض عن القصور الفني بالضجيج الأجوف.

وحين يحاصر الفشل هذا النهج، يشهر حسام حسن سلاح “الألقاب السبعة” في وجه منتقديه، وهي ألقاب التي لو أخضعناها لمشرط القراءة التاريخية الفاحصة لبدت لنا حقائق ممعنة في الكوميديا السوداء؛ فالبدايات في الخمسينيات لم تكن سوى “مناوشات ودية” أو بطولة أحياء بين ثلاث (مصر وإثيوبيا والسودان) دول كانت ترسل عمال بناء ليخوضوا مباراتين تهدى بعدهما الكأس للفراعنة البلد المنظم، وصولا إلى “الحقبة الحياتوية” التي كان فيها الاتحاد الأفريقي مجرد ملحق سيادي بالقاهرة، تصاغ فيه النتائج بضربات جزاء خيالية وتعدل فيه القوانين لرفع البطاقات الحمراء عن لاعبيه، لتتجلى الحقيقة المرة منذ ستة عشر عاما؛ إذ انقطع حبل العطايا برحيل عيسى حياتو، وظل العجز عن تحقيق لقب إفريقي واحد وصمة تثبت أن الكرة تلعب بالاستحقاق لا بـ”الندب”، وأن غياب “ناموس الشتاء” وعمال البناء في المحافل الدولية هو ما كشف عورة مستوى لا يتجاوز ضجيج المنصات، ليغدو حسام حسن بتصريحاته الممعنة في الابتذال عقب مباراة السنغال مجرد مادة للسخرية، واضعا تاريخا طويلا في مهب التهكم والاستهجان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *