حين يعجز الحزب عن إدارة نفسه.. تأجيل المجلس الوطني يكشف أزمة القيادة داخل “البام”

لم يعد تأجيل انعقاد المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة مجرد تفصيل تنظيمي يمكن تجاوزه ببلاغ توضيحي أو تبرير لوجستي عابر، بل تحول إلى مؤشر سياسي دال على عمق الأزمة التي يعيشها الحزب في هذه المرحلة. فحين يعجز تنظيم سياسي عن عقد إحدى أهم محطاته التقريرية في لحظة دقيقة من عمره، يصبح السؤال المطروح أبعد من “متى سيعقد المجلس؟” إلى “من يقود الحزب فعليا؟ وبأي أفق؟”.
من حيث الشكل، قد تبدو الأسباب المعلنة للتأجيل مقنعة خصوصا إذا كانت مرتبطة بصعوبات لوجستية، أو إكراهات تنظيمية، أو ظروف طارئة. لكن من حيث الجوهر، يصعب فصل هذا الارتباك عن السياق العام الذي يطبع أداء الحزب منذ اعتماد صيغة القيادة الثلاثية. على اعتبار أن التأجيل المتكرر، وتناقض البلاغات الصادرة عن هياكل مختلفة، يكشفان خللا في التنسيق الداخلي، وضعفا في مركز القرار، وغيابا لقيادة قادرة على الحسم وتحمل كلفة القرار السياسي.
صحيح أن المجلس الوطني ليس هيئة ثانوية في البناء التنظيمي لـ“البام”، بل هو فضاء للمساءلة والتوجيه واتخاذ القرار. ولكن عندما يتحول انعقاده إلى عبء تخشى القيادة تبعاته، فإن ذلك يعكس خوفا غير معلن من فتح نقاش داخلي صريح حول الحصيلة، والخيارات، وموازين القوة داخل الحزب. بهذا المعنى، يصبح التأجيل فعلا سياسيا بامتياز، لا مجرد إجراء تقني.
هذا الارتباك التنظيمي لا يمكن فصله عن الأداء السياسي العام للحزب خلال وجوده في الحكومة. فبدل أن يشكل العمل الحكومي رافعة لتعزيز صورة “البام” كحزب دولة قادر على التسيير والاقتراح، ارتبط اسم عدد من وزرائه بسجالات متكررة ونقاشات مثيرة للجدل، استهلكت الرصيد الرمزي للحزب أكثر مما راكمت له إنجازات قابلة للتسويق الانتخابي. ومع غياب خطاب موحد يربط بين المشاركة الحكومية والمشروع الحزبي، بدا “البام” وكأنه يدافع عن أفراد أكثر مما يدافع عن رؤية سياسية.
القيادة الثلاثية، التي تم تقديمها في البداية كحل توافقي لتجاوز مرحلة انتقالية حساسة، تحولت مع مرور الوقت إلى عامل ضبابية. فلا هي أفرزت زعامة واضحة، ولا نجحت في خلق انسجام داخلي صلب، ولا استطاعت فرض إيقاع تنظيمي منتظم. في لحظات كهذه، تحتاج الأحزاب إلى قيادة قوية تختزل الاتجاه وتمنح القواعد الثقة، لا إلى توازنات هشة تدار بمنطق تأجيل الصدام.
انعكاس هذا الوضع على الحظوظ الانتخابية يبدو واضحا. فالانتخابات لا تربح فقط بالبرامج أو الحضور الإعلامي، بل أساسا بالجاهزية التنظيمية، والقدرة على التعبئة، وصورة الحزب لدى الناخبين كتنظيم منسجم وقادر على الحكم. حزب يجد صعوبة في تنظيم مجلسه الوطني، سيجد بالضرورة صعوبة أكبر في خوض حملة انتخابية متماسكة، وضبط مرشحيه، وتوحيد رسالته السياسية.
الأخطر أن هذا الوضع يضع الحزب في موقع دفاعي قبل انطلاق المعركة الانتخابية فعليا. بدل أن ينشغل بتوسيع قاعدته واستعادة الثقة، يبدو “البام” منشغلا بتدبير أزماته الداخلية وتأجيل حسم أسئلته الكبرى. وفي السياق السياسي المغربي، غالبا ما يعاقب الناخب هذا النوع من الارتباك، ويفضل الأحزاب التي تبدو أكثر وضوحا في القيادة وأكثر انسجاما في الأداء، حتى وإن اختلف معها في التوجهات.
في المحصلة، تأجيل المجلس الوطني ليس سبب أزمة حزب الأصالة والمعاصرة، بل أحد أعراضها الأكثر وضوحا، والتي تعبير عن أزمة قيادة، وعن عجز عن الحسم، وعن خوف من مواجهة الذات في لحظة تستدعي الشجاعة السياسية. وبالتالي إذا لم يتحول هذا التأجيل إلى فرصة لمصارحة داخلية حقيقية وإعادة ترتيب البيت من الداخل، فإن ضعف الحظوظ الانتخابية لن يكون نتيجة مفاجئة، بل مسارا منطقيا بدأ منذ زمن، وها هو اليوم يظهر إلى السطح بلا مواربة.