فيدرالية اليسار بمكناس.. بطولة في البلاغات وعجز فاضح أمام المسؤوليات

بعد سبات سياسي طويل استنفد فيه حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي بمكناس كل أدواته الخطابية دون أن يقنع المكناسيين بجدوى وجوده داخل المجلس الجماعي أو خارجه، خرج الحزب أخيرا من عزلته ببيان محتشم لا يضيف أي قيمة مضافة، وكأنه مجرد محاولة متأخرة للتذكير بوجود أكثر من كونه موقفا سياسيا مبنيا على قراءة موضوعية للوضع. فالجميع يعلم أن المجلس ورئيسه وأغلبيته كانوا أول من طالب بإنهاء عقد التدبير المفوض مع الشركة المكلفة بالنقل الحضري خلال دورة ماي الماضية بكل جرأة، مما يجعل محاولات الحزب لرفع منسوب “الجرأة السياسية” مجرد مزايدة في غير محلها وتكرارا مملاًلخطاب عدمي فقد بريقه وتناقص تأثيره.

صحيح أن مدينة مكناس تعيش فعلا واحدة من أسوأ مراحلها في قطاع النقل الحضري، ومعاناة الساكنة يومية ومؤلمة، لكن استعمال هذا الملف لتصفية حسابات سياسية صغيرة لم يعد ينطلي على أحد، فالبيان الأخير للحزب، رغم لغته الحادة، لم يقدم جديدا في التشخيص، ولم يقترح حلولا واقعية، بل اكتفى بالتنديد والتشكي، وكأن دوره الوحيد هو رصد معاناة الناس، لا المشاركة في معالجتها. المفارقة المضحكة أن هذا الحزب نفسه كان أمام فرصة ذهبية لإثبات قدرته على الفعل عندما طرحت في دورة فبراير 2025 نقطة إحداث لجنة موضوعاتية خاصة بالنقل الحضري، لكن عندما حان وقت تحمل المسؤولية وتولي رئاستها، تراجع متذرعا بحجج واهية، مفضلا البقاء في موقع المراقب الصارخ بدل الفاعل المسؤول.

 هذا الموقف يكشف أن أحزاب اليسار يجيد فقط لغة المزايدات أكثر مما يجيد لغة الحلول. فالهروب من رئاسة لجنة كان يفترض أن تكون فضاء لتنزيل أفكاره وتنفيذ وعوده ينسف تماماًخطاب “المعارضة الشرسة” التي يباهي بها. والأغرب أن الحزب حاول تحويل رفضه للمسؤولية إلى بطولة، متهما المكتب المسير بمحاولة الهروب إلى الأمام، رغم أن الواقع يوضح أن من تهرب فعلا هو من عجز عن الانتقال من الكلام إلى الفعل، ومن زعم الدفاع عن الساكنة لكنه رفض آلية عملية كان يمكن أن يغير من خلالها جزءا من الواقع الذي ينتقده.

 ففي الوقت الذي تتجه فيه المملكة إلى إطلاق أكبر برنامج وطني لتحديث النقل الحضري بين 2025 و2029، بتكلفة تناهز 11 مليار درهم، واستفادة 84 مدينة وتجمع حضري من أسطول حديث يضم آلاف الحافلات الذكية، لا يزال الحزب اليساري بمكناس عالقا في خطاب تقليدي لا يستوعب التحولات الوطنية الكبرى، ولا يعترف بأن جزءا من الأزمة التي يعيشها القطاع مرتبط بضعف التدبير السابق، وباختلالات مزمنة تراكمت على مدى عقد كامل من سوء التسيير، وليس فقط بسياسة المجلس الحالي.

 الحقيقة أن هذا النوع من الخطاب الشعبوي الذي يكتفي بالاحتجاج دون إرادة المشاركة، ويقدم التشخيص دون استعداد للعلاج، صار مكشوفا لدى المكناسيين الذين تعبوا من الكلام الفارغ ومن “معارضة المناسبات”. فالحزب الذي يرفض الجلوس على كرسي المسؤولية لا يمكنه أن يزعم الدفاع عن المصلحة العامة، ولا أن يتحدث عن الأزمات وكأنه غير معني بها. فالسياسة ليست تدوينات بيانات غاضبة بل مسؤولية، وعمل، ومتابعة، ومساءلة، وإنتاج حلول قابلة للتنفيذ.

 لقد أثبتت هذه الواقعة أن فيدرالية اليسار بمكناس يعاني أزمة شجاعة سياسية قبل أن يعاني أزمة خطاب. فبدل أن يكون جزءا من الحل، اختار أن يظل مجرد صدى للشكوى، يبحث عن موقع في الواجهة دون أن يقدم شيئا ملموسا. وهذا ما يطرح سؤالا مشروعا لدى المواطن المكناسي، ماذا جنينا من حزب لا يريد إلا الكلام؟ وهل سيكون هذا الحزب يوما جزءا من الحل، أم أنه سيبقى مجرد صوت عال بلا أثر، وضجيج بلا نتيجة؟

 اليوم تبدو الحقيقة جلية للمكناسيين وهو أن المعارضة التي تهرب من المسؤولية ليست معارضة، بل موقف مريح يضمن الظهور دون عناء الإنجاز، ومكناس، التي تنتظر حلولا جذرية لا خطابات عاطفية، تستحق أكثر بكثير من بيانات محتشمة ومواقف مترددة، بل تحتاج إلى فاعلين سياسيين يفهمون أن زمن الكلام انتهى، وأن زمن بناء الحلول هو الذي يحدد قيمة الأحزاب، لا عدد بياناتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *