طنجة تفضح الجميع.. فوضى التذاكر تكشف منظومة عبث تلمع وجه السياسيين وتهين الرياضة المغربية

المستقل _ فؤاد السعدي

عاد مشهد الفوضى الذي شهده ملعب طنجة الكبير خلال مباراة المنتخب المغربي ضد الموزمبيق ليكشف طبقات أعمق من الاختلال، تتجاوز حدود سوء التنظيم لتصل إلى صلب منظومة التسيير الرياضي وعلى رأسها الجامعة والعصبة معا، حيث بات واضحا أن غياب الشفافية وترك الحبل على الغارب لمن لا علاقة لهم بالتدبير جعل من التظاهرات الرياضية فضاء مفتوحا للعبث، توزع فيه المهام كما توزع التذاكر، بلا معايير، بلا رقابة، وبلا مسؤولية.

فما حدث في منطقة الـ “Hospitality ،VIP ،VVIP” لا يمكن اعتباره مجرد خطأ عابر، بل هو تسريب فج ومفضوح لواقع يسعى كثيرون لإخفائه، خصوصا عندما كشفت الكاميرات شخص معروف بسوابقه، ومتورط في اعتداءات موثقة وفي ملفات وصلت النيابة العامة، وسط الصفوف الأمامية، جالسا ناحية الوالي ورئيس الجامعة. واقعة تشبه سيناريو فيلم هجين، لكنها حدثت فعلا، حدثت لأن التذاكر لم توزع وفق المعايير، بل لأن مهمة تدبيرها أوكلت لمن ليسوا مؤهلين، ولأن “البروتوكول” بطنجة تحول إلى قميص يمكن لأي أحد ارتداؤه إذا توفر على علاقة أو خدمة أو ولاء ظرفي.

الأخطر من كل ذلك، أن العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية بالشمال المسؤولة المباشرة عن جزء كبير من التنسيق، لم تقم بأبسط واجباتها، فبدلا من أن تشكل صمام أمان للتنظيم، تحولت إلى وسيط مبهم لا يكشف للرأي العام كيف يوزع الدعوات ولا على أي أساس يسمح لهذا أو ذاك بالولوج إلى مساحات حساسة. كل شيء يتم في الظل، بتعليمات مبهمة، وبقرارات لا تفسير لها، وكأن الأمر يتعلق بممتلكات شخصية وليس بحدث وطني تصرف عليه ميزانيات ضخمة من المال العام.

وفي قلب هذه الفوضى، يظل سؤال رئيس الجامعة، فوزي لقجع، مطروحا بإلحاح، على اعتبار أن المطلوب من مسؤول بهذا الوزن ليس الحضور أمام الكاميرات، ولا الظهور في الصفوف الأمامية، بل الوقوف على كل صغيرة وكبيرة، وأن يتابع بنفسه كل تفصيل من تفاصيل التنظيم، لا أن يكلف أشخاصا أو جهة ما لا علاقة لها لا بالتنظيم ولا باللوجستيك أو بالبروتوكول أو بإدارة الفضاءات الحساسة، وبالتالي ما وقع جعل رئيس الجامعة يبدو في موقع المتفرج، وكأن الفوضى مسؤولية غيره، وكأن الجامعة فوق المحاسبة، مع أن المؤسسات تقاس بمدى قدرتها على ضبط محيطها قبل تقديم المبررات للرأي العام.

ومع ذلك، يبدو أن الجامعة والعصبة تتعاملان مع التظاهرات بنفس منطق “دبر راسك”، حيث يسود منطق الولاءات، ويتقدم أصحاب العلاقات، ويغيب الاحتراف، خصوصا عندما تحولت التذاكر الرسمية، خاصة VIP وVVIP، إلى نوع من العملة السياسية والزبونية، يحصل عليها من لا يستحق، بينما يتم إغلاق البوابات في وجه جماهير دفعت من أموالها وتركت ساعات طويلة في الطوابير بدعوى نفاد التذاكر.

المصادر نفسها تحدثت عن فوضى منظمة، حيث تم تمرير عشرات الدعوات المجانية لأشخاص لا تربطهم بالقطاع الرياضي أي علاقة، بينهم محسوبون على تيارات سياسية استغلت المناسبة للظهور بجانب المسؤولين بهدف رفع رصيدها الرمزي، بينما تسللت عناصر مشبوهة إلى مناطق حساسة لأنها ببساطة “عرفات مع من تتفاهم”.

هذا كله يعيد طرح السؤال الحقيقي، أين الشفافية؟ هل الجامعة تعلن بشكل واضح كيف توزع الدعوات؟ هل العصبة تقدم تقارير رسمية حول معايير انتقاء المستفيدين؟ هل يتم التحقيق في هذه الفوضى كل مرة؟ أم أن كل شيء يتكرر لأن المنظومة تعرف جيدا أن لا أحد سيحاسب؟

المؤسف أن هذا العبث لم يعد استثناء، بل صار طابعا عاما يتكرر في مباريات المنتخب والمنافسات المحلية على حد سواء، والنتيجة، تظاهرات رياضية تبدو في ظاهرها منظمة، لكنها داخليا مليئة بالثغرات، وبالممارسات التي تسيء إلى صورة البلاد قبل أن تسيء إلى الرياضة.

إن ما حدث بطنجة يفضح منظومة بكاملها، منظومة تحتاج إلى مراجعة شاملة، وإلى قطيعة مع ثقافة “غطي عليا نغطي عليك”، وإلى مسؤولين يقفون فعلا على تفاصيل التنظيم بدل الاكتفاء بالحضور، لأن العبرة ليست أن “تحضر وتبندر”، بل أن تحضر وأنت واقف على كل تفصيلة، حتى لا يجلس صاحب سوابق في الصف ذاته مع ممثلي الدولة، وحتى لا تصبح التذاكر الرسمية وسيلة للريع السياسي بدل أن تكون رمزا للانضباط والإشراف المؤسسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *