غياب الشفافية يفضح دعم الصحافة.. وفضيحة تضارب المصالح تهز معهد المسرح

مرة أخرى يجد قطاع الصحافة والنشر نفسه داخل دوامة عبثية تكشف حجم الفوضى داخل الوزارة الوصية، وتفضح تصورا بائدا يعتبر الإعلام مجالا للتدجين والسيطرة بدل أن يكون فضاء للمساءلة والرقابة. فحين تخرج مجموعة برلمانية لتؤكد أن الدعم العمومي يوزع بلا شفافية، وأن معايير الاستفادة منه تخضع لمنطق سياسي أكثر منه مهني، فإن الأمر لا يعود خلافا تقنيا، بل يصبح دليلا دامغا على وجود إرادة للتحكم في الخط التحريري للمؤسسات الصحافية عبر بوابة المال العمومي.
وتزداد الصورة قتامة حين نكتشف أن المجلس الوطني للصحافة، المفترض أنه صمام الأمان لاستقلالية المهنة، يعيش شللا مؤسسيا نتيجة تعطيل انتخاباته وتمديد ولايته بشكل استثنائي، قبل الدفع نحو لجنة مؤقتة مصممة على المقاس، مهمتها إدارة الفراغ بدل إصلاح الأعطاب، والأسوأ أن مشروع إعادة تنظيم هذا المجلس مر بسرعة غير مسبوقة في الغرفة الأولى، ثم اختفى في دهاليز الغرفة الثانية بلا تفسير مقنع، ما يعزز الانطباع بأن الهدف لم يكن الإصلاح الحقيقي وإنما عبور مرحلة حساسة دون إحراج سياسي.
في ظل هذا التخبط، يصبح الحديث عن استقلالية الصحافة مجرد ترف لغوي، خاصة عندما يمحور التعاطي مع الإعلام حول الإخضاع بدل التأطير، وبالتالي دامت الحكومة تصر على محاكمة الصحافيين بالقانون الجنائي، فإن الرسالة واضحة وتقول، لا نريد صحافة تحاسب، بل صحافة تخاف. وما دام معتقلو الرأي وشباب جيل “زاد” يواجهون المتابعات فقط لأنهم احتجوا أو عبروا عن موقف، فكيف يمكن إقناع الناس بأن حرية التعبير قيمة محمية وليست شعارا للاستهلاك الديمقراطي؟
أما الفضيحة التي تفجرت داخل المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، حيث تعلن المديرة نفسها عن نجاحها في مباراة تشرف هي على تنظيمها، فتختزل أزمة أعمق من مجرد خطأ إداري. إنها تجسيد فج لفلسفة تدبير تعتبر المناصب غنائم، لا مسؤوليات تستوجب الحياد والنزاهة. ويزداد الوضع عبثية حين يتبين أن الأطروحة التي تستند إليها في الترشح نوقشت بعد إعلان المباراة، ما يطرح علامات استفهام حقيقية حول احترام القانون والمساطر، وحول دور الوزير في مراقبة القطاع الذي يفترض أنه مسؤول عنه.
إن المسؤولية السياسية والأخلاقية للوزير بنسعيد أصبحت اليوم على الطاولة. فإما أن يقطع مع هذا النهج المبني على التحكم والتأجيل واللجان المؤقتة، ويختار الانحياز لشفافية حقيقية تجعل من الصحافة سلطة قائمة بذاتها، أو يظل عنوانا لمرحلة يدار فيها الإعلام كما لو كان ملحقا إداريا لا وظيفة له سوى ترديد الرواية الرسمية. وما تحتاجه البلاد ليس قوانين تفصل تحت الطوارئ ولا إصلاحات تجميلية، بل إرادة صادقة تعيد الاعتبار للصحافيين، وتضمن شروط الحرية المهنية، وتفتح الباب لعدالة مستقلة عن الحسابات السياسية.
إن الصمت الذي يخيم على القطاع اليوم ليس حيادا، بل نتيجة مباشرة لسياسات تفضل الغموض على الوضوح، والولاء على الكفاءة، والتحكم على الاستقلالية. وفي النهاية، يظل السؤال معلقا أمام الوزير، إلى متى سيظل هذا القطاع رهينة قرارات مرتجلة، وأين هي الشجاعة السياسية لوضع حد لهذا الانحدار؟