كلية سطات أمام اختبار القانون.. عندما تتحول مؤسسة لتدريس العدالة إلى منتهكة لحقوق المقاولات

من المفارقات الصارخة بالمغرب أن تجد كلية تدرس القانون، لكنها في الممارسة تتهم بخرقه. هذا ما حدث في كلية العلوم القانونية والسياسية بسطات، التي وجدت نفسها في قلب جدل متصاعد منذ أن نشر موقع المستقل، غشت الماضي، تحقيقا موثقا حول تأخرها غير المبرر في أداء مستحقات شركتين محليتين نفذتا خدمات نقل لفائدتها منذ شهور دون أن تتوصلا بمستحقاتهما المالية إلى اليوم.

تفاصيل الواقعة بسيطة لكنها صادمة. فشركة “نقل باب منصور” نفذت يوم 20 ماي 2025 خدمة نقل الطلبة والموظفين من سطات إلى الجديدة ذهابا وإيابا، بناء على سند الطلب رقم BC-43-FSJP-2025 بقيمة 14.400 درهم، فيما أنجزت شركة “ترانس التراث” في 18 يونيو 2025 خدمة مماثلة نحو الرباط بموجب سند طلب رقم BC-52-FSJP-2025 مقابل 8.400 درهم. كل الوثائق كانت سليمة، والخدمات نفذت كاملة، ولم تسجل الكلية أي ملاحظات أو تحفظات، ومع ذلك لم تؤد الإدارة المستحقات إلى اليوم.

المثير أن الكلية، بدل تسوية المبلغ الأول، أبرمت سند طلب جديدا مع شركة ثانية بعد شهر واحد فقط، في سلوك يعكس استهتارا بالقواعد المالية التي تلزم الإدارات العمومية بعدم توقيع التزامات جديدة قبل أداء المستحقات السابقة. هذا ما جعل شركتي النقل تواجهان ضائقة مالية خانقة دفعت بهما إلى التفكير في اللجوء إلى القضاء.

اليوم، لم تعد القضية مجرد نزاع مالي بسيط بين مقاولة وإدارة عمومية، بل تحولت إلى مؤشر مقلق على خلل بنيوي في تدبير المال العام داخل بعض المؤسسات الجامعية. فحين تتأخر مؤسسة عمومية، بحجم كلية الحقوق، في أداء ما عليها من التزامات قانونية، فذلك يوجه رسالة خطيرة إلى باقي الفاعلين الاقتصاديين مفادها أن الدولة نفسها لا تحترم آجال الأداء التي تطالب بها القطاع الخاص.

ورغم أن الموقع الذي كشف الملف نشر تحقيقه قبل أكثر من ثلاثة أشهر، لم يصدر أي توضيح من إدارة الكلية، ولا من رئاسة الجامعة، ولا حتى من وزارة التعليم العالي، وهو صمت يثير الريبة أكثر مما يبرر التأخير. فهل يتعلق الأمر بسوء تدبير إداري؟ أم بخلل في المساطر المحاسباتية؟ أم أن المسألة ببساطة غياب إرادة لتصحيح الوضع؟

الواقع أن هذه الممارسات لم تعد استثناء، لأن كثيرا من المقاولات الصغيرة التي تتعامل مع المؤسسات العمومية تشكو من تأخر مستحقاتها لأشهر، في خرق سافر لدورية وزارة الاقتصاد والمالية التي تلزم الإدارات بالأداء الفوري فور إنجاز الخدمة وتقديم الفواتير، والنتيجة أن عشرات المقاولات تجد نفسها مهددة بالإفلاس فقط لأنها وثقت في مؤسسات الدولة.

الكلية، بصفتها مؤسسة أكاديمية يفترض أن تكون نموذجا لاحترام القانون، مطالبة اليوم بأكثر من مجرد تسوية مالية متأخرة، بل هي مطالبة بتفسير هذا الخرق وباستعادة ثقة الشركاء والطلبة والرأي العام في مصداقية تسييرها. أما وزارة التعليم العالي، فعليها أن تتحرك بسرعة لتفعيل الرقابة، لأن التساهل مع مثل هذه التصرفات يعني تكريس منطق “اللا محاسبة” داخل المرفق الجامعي.

القضية إذن ليست عن 14 ألف درهم أو 8 آلاف، بل عن مبدأ قانوني وأخلاقي كبير مفاده أن المؤسسات العمومية يجب أن تكون القدوة في احترام التزاماتها. فحين تخرق الكلية القانون الذي تدرسه، فإنها تضعف ثقة المجتمع في العدالة والمؤسسات على السواء.

ويبقى السؤال الذي يختزل جوهر القضية هو إذا كانت كلية الحقوق نفسها لا تحترم الحقوق، فمن سيعلم الأجيال القادمة معنى العدالة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *