من يحمي الفساد؟ جدل الإثراء غير المشروع يكشف خبايا الصراع داخل البرلمان

أعاد النقاش البرلماني حول مشروع قانون الإثراء غير المشروع إلى الواجهة سؤال الإرادة السياسية في محاربة الفساد وتخليق الحياة العامة، بعد أن تحول الموضوع إلى ساحة مواجهة بين المعارضة وبعض مكونات الأغلبية، وسط تصاعد القلق من تفشي مظاهر تضارب المصالح واحتكار النفوذ.
منذ سحب الحكومة لهذا المشروع في بداية ولايتها، ظلت المعارضة تعتبر الخطوة تراجعا عن مسار الإصلاح و”هدية غير مبررة” للمستفيدين من الوضع القائم. فخلال مناقشة الميزانية الفرعية لوزارة العدل، ربطت النائبة لبنى الصغيري (عن التقدم والاشتراكية) بين تجميد مشاريع قوانين ذات بعد حقوقي واجتماعي وبين “وجود قوى داخلية تفرمل الإصلاحات”، مؤكدة أن تعطيل قانون يهدف إلى تجريم الإثراء غير المشروع يعني عمليا حماية الفساد المقنع وتكريس الإفلات من المساءلة.
في المقابل، اختارت النائبة ربيعة بوجة (عن العدالة والتنمية) أسلوب المواجهة المباشرة، متسائلة إن كان تأخر الحكومة ناتجا عن غياب الإرادة أم عن ضغوط خفية، مستحضرة عبارة “العفاريت والتماسيح” التي لطالما رافقت الخطاب السياسي حول مقاومة الفساد. بوجة لم تخف شكها في أن الحكومة تفتقد الجرأة لإعادة طرح النص، رغم تعهدها بذلك منذ انطلاق ولايتها.
أما على الجانب الآخر، فقد سعت النائبة قلوب فيطح (عن الأصالة والمعاصرة) إلى تقديم قراءة مغايرة، معتبرة أن بعض الأصوات “تتعامل مع القانون بمنطق الاتهام الجماعي”، وأن تطبيقه بصيغته السابقة قد يدخل الجميع في دائرة الشبهة. حديثها عن “فساد انطباعي” يكشف، من زاوية أخرى، عن أزمة ثقة مزدوجة، ثقة المواطن في المؤسسات، وثقة الفاعلين السياسيين في بعضهم البعض.
وفي العمق، يظهر الجدل الدائر أن محاربة الفساد ليست مسألة تقنية تشريعية فحسب، بل صراع رمزي حول من يمتلك الشرعية الأخلاقية لإطلاقها. فبين من يرى أن غياب القانون يمثل حماية غير معلنة للفاسدين، ومن يخشى أن يستعمل القانون أداة لتصفية الحسابات، يتبدى أن النقاش يدور حول حدود المساءلة ومفهوم العدالة ذاتها.
كما يسلط الجدل الضوء على مفارقة لافتة، فبينما تتعالى الأصوات للمطالبة بالشفافية، تتنامى في الوقت نفسه مخاوف من أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى محاكم شعبية تقوض مبدأ قرينة البراءة وتغذي صورة نمطية عن “فساد شامل”. وهو ما يجعل استعادة الثقة في المؤسسات السياسية شرطا ضروريا قبل أي إصلاح قانوني فعلي.
ويبدو أن مشروع قانون الإثراء غير المشروع أصبح مرآة تعكس التوتر بين مطلب الشفافية والهاجس السياسي، وأن الحسم في مصيره لن يكون مجرد إجراء قانوني، بل اختبارا حقيقيا لمدى استعداد الفاعلين الحكوميين والبرلمانيين لترجمة خطاب النزاهة إلى ممارسة فعلية.