في فضيحة البادل بطنجة.. هل تحول صمت الوالي التازي إلى موقف؟ أم أن في الصمت ما يكشف أكثر مما يخفي؟

منذ تفجر قضية “ملعب البادل” بتجزئة “La Prairie Rose 2” بحي بوبانة بطنجة، والرأي العام المحلي يتابع بذهول تفاصيل خروقات عمرانية وقانونية موثقة، طالت مشروعا تم إقامته على أرض مخصصة أصلا كفضاء لألعاب الأطفال، غير أن ما يثير الاستغراب أكثر من مضمون القضية نفسها، هو الغياب الصارخ لأي موقف رسمي من والي جهة طنجة تطوان الحسيمة يونس التازي، الجهة المفترض أن تكون أول من يتحرك لمراقبة شرعية القرارات الجماعية والتدخل لوقف أي تجاوز إداري يمس القانون.

فبعد أسابيع من الجدل، تسارعت الأحداث من خلال الندوة الصحفية التي عقدها المتضررون رفقة المحامي إسماعيل الكرفطي الجباري، والوزير السابق عبد السلام الصديقي، ظل موقف الولاية غامضا، دون أي بلاغ أو تصريح أو حتى إشارة إلى فتح تحقيق إداري في الموضوع، وكأن القضية تقع خارج نطاق صلاحياتها، في وقت تشير فيه النصوص الدستورية والتنظيمية بوضوح إلى أن الوالي هو المسؤول عن مراقبة شرعية قرارات الجماعة.

هذا الصمت جعل كثيرين يتحدثون عن حياد سلبي لم يعد يفهم كحذر إداري، بل كـ”تغاض غير مبرر” عن تجاوزات موثقة ومؤكدة من طرف الوكالة الحضرية نفسها، إذ كيف يعقل أن تبقى السلطة الوصية في موقف المتفرج، في ملف أصبح عنوانا صارخا لاختلالات التعمير، وموضوعا يتصدر عناوين الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي؟

المفارقة أن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، الذي كان قبل أيام فقط يتحدث أمام البرلمان بنبرة صارمة متوعدا كل من يخرق القانون بالمحاسبة، لم يبد هو الآخر أي رد فعل تجاه ما يجري بمدينة طنجة، رغم أن الملف بات اليوم في صلب النقاش الوطني، ويمس مصداقية مؤسسات الدولة ووعودها بتخليق الحياة العامة.

الوالي، باعتباره الممثل الترابي لوزارة الداخلية، يمتلك كامل الصلاحيات لإيقاف أي قرار إداري مخالف للقانون، أو إحالة الملف على القضاء الإداري، بل وحتى إيفاد لجنة تفتيش للوقوف على حقيقة الاتهامات التي فجرتها ساكنة التجزئة، لكن غياب أي خطوة من هذا النوع يوحي بوجود ارتباك في التعاطي مع الملف، وربما حسابات سياسية تحول دون ممارسة صلاحيات الرقابة كما ينبغي.

المحامون والحقوقيون الذين تابعوا تطورات الملف يؤكدون أن السكوت في هذه الحالة لا يمكن تبريره، لأن الأمر يتعلق بشبهة “تفويت غير قانوني لملك جماعي”، أي بمسألة تمس المال العام وثقة المواطنين في مؤسساتهم، وهي خطوط حمراء لا يمكن للوالي ولا للداخلية التغاضي عنها تحت أي مبرر.

وفي ظل هذا الصمت الرسمي، تتزايد الدعوات من فعاليات مدنية وسياسية إلى تدخل عاجل من وزارة الداخلية لإيفاد لجنة مركزية إلى طنجة، وفتح تحقيق نزيه حول كيفية إصدار رخصة بناء لمشروع قائم منذ سنتين، رغم اعتراضات الساكنة وتوصيات الوكالة الحضرية بإيقافه.

قضية ملعب البادل بطنجة لم تعد اليوم مجرد نزاع محلي بين ساكنة ومستثمر، بل أصبحت امتحانا حقيقيا لمصداقية وزارة الداخلية والسلطة الرقابية في مواجهة الخروقات العمرانية والتمييز في تطبيق القانون، وبالتالي إذا استمر الصمت، فستتحول رسالة الدولة من “لا أحد فوق القانون” إلى “البعض فوق القانون”، وهي رسالة خطيرة في سياق تتزايد فيه أزمة الثقة بين المواطن والإدارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *