“عدم توصلنا بالإشارة”.. عطب تقني يفضح عطبا أعمق في الإعلام العمومي المغربي

في مشهد أقرب إلى الكوميديا السوداء، تابع الجمهور الرياضي المغربي مساء الأربعاء فصلا جديدا من العبث الإعلامي، حين فشلت قنوات الإعلام العمومي في بث مباراة ضمن البطولة الاحترافية بين الوداد الرياضي وحسنية أكادير، لتكتفي الشاشات الرسمية بعبارة باتت أشهر من المباراة نفسها، “عدم توصلنا بإشارة البث من المصدر”.

عبارة بسيطة، لكنها كانت كافية لإشعال موجة من السخرية اللاذعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبر المشجعون عن دهشتهم من أن بلدا يتهيأ لتنظيم كأس العالم 2030، ويقدم نفسه كقوة إفريقية صاعدة في مجالات التكنولوجيا والتنمية، ما يزال يعجز عن تأمين بث مباراة محلية تلعب على بعد بضع كيلومترات من مقرات القنوات نفسها.

ما حدث لم يكن مجرد “عطب تقني”، بل تجسيد لأزمة أعمق يعيشها الإعلام العمومي المغربي، أزمة رؤية وتدبير وتفاعل مع انتظارات الجمهور. فالقنوات التي تنفق عليها الملايير من المال العام، وتتوفر على أحدث المعدات التقنية واستوديوهات متطورة، ما تزال تعاني من ارتباك في التسيير ونمطية في الأداء، وكأنها تعيش خارج زمن التحول الرقمي الذي غير وجه الإعلام في العالم.

المفارقة المؤلمة أن الإعلام المغربي الرسمي كان أمام فرصة ذهبية لتأكيد جاهزيته في زمن الاستحقاقات الكبرى التي تنتظر البلاد، بدءا من كأس إفريقيا 2025 وصولا إلى كأس العالم 2030، لكنه اختار أن يقدم مشهدا يختزل في عبارة من ثلاثة عشر حرفا، كشفت خللا هيكليا أكثر مما عبرت عن عطب تقني عابر.

إن ما جرى لا يمكن قراءته بمعزل عن غياب المساءلة الإعلامية والمؤسساتية. صحيح أنه فمن الطبيعي أن يقع خطأ تقني في أي مكان، لكن غير الطبيعي أن لا يخرج أي مسؤول ليقدم تفسيرا واضحا أو اعتذارا رسميا للجمهور الذي يمول هذه القنوات من جيبه. وكأن المشاهد المغربي مجرد رقم في نسب المشاهدة، لا مواطن يستحق الاحترام والمصارحة.

لقد أثبتت التجربة أن تطوير الإعلام لا يكون بالميزانيات فقط، بل بالحوكمة والمساءلة والإرادة. فحين يغيب الحس المهني، تصبح الشاشات مرآة لعجز مؤسساتها، لا لنبض مجتمعها. وما واقعة “إشارة البث” إلا تذكير مؤلم بأن الإعلام العمومي يحتاج إلى “إشارة إصلاح” قبل أي شيء آخر، إصلاح يعيد الثقة بين المواطن وشاشته، ويجعل التلفزيون المغربي شريكا في صناعة الوعي لا مادة للسخرية.

لقد حان الوقت لأن تتجاوز مؤسسات الإعلام العمومي عقلية التبرير نحو عصر الشفافية والاحتراف، لأن الأمم التي تستعد لاستقبال كأس العالم لا يفترض أن تفشل في استقبال “إشارة” من ملعب داخل حدودها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *