لقاء مكناس حول التنمية المندمجة يكشف العجز الجمعوي.. حين فضحت السلطة هشاشة من يملؤون الدنيا ضجيجا

في الوقت الذي كانت فيه الأنظار مشدودة إلى اللقاء التشاوري المنعقد، أمس الثلاثاء 4 نونبر الجاري، بالمركب التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بمكناس، في إطار الإعداد لبرنامج التنمية المندمج للعمالة، خرج الاجتماع بخلاصات باهتة لم ترق إلى مستوى التطلعات، رغم الزخم الذي رافق الإعلان عنه والأهمية التي يكتسيها ضمن الرؤية الملكية الرامية إلى إرساء جيل جديد من البرامج التنموية المندمجة.
اللقاء الذي ترأسه عامل عمالة مكناس، عبد الغني الصبار، وجمع مسؤولين ترابيين ومنتخبين وخبراء وممثلي القطاعات الحكومية والمجتمع المدني، كان من المفترض أن يشكل لحظة حاسمة لتقاسم الرؤى وتقديم مشاريع واقعية من شأنها النهوض بالمدينة وتدارك الاختلالات التنموية، غير أن واقع المداخلات كشف حجم الفراغ الفكري والمؤسساتي لدى عدد من المتدخلين، خصوصا بعض ممثلي هيئات المجتمع المدني الذين بدا أنهم خارج السياق تماما. فخلال أكثر من أربع ساعات من النقاش، لم يقدم أي مشروع واضح أو تصور عملي قابل للتنفيذ، رغم أن المناسبة كانت سانحة لعرض مبادرات مدروسة أمام أنظار العامل والحضور الرسمي، بدل ذلك، انزلقت المداخلات نحو خطابات إنشائية، خالية من المضامين، تعيد تكرار الشكوى بدل تقديم الحلول، في مشهد يعكس بوضوح الأزمة البنيوية التي يعيشها جزء من النسيج الجمعوي بالمدينة. لقد تحول “المجتمع المدني”، في بعض تجلياته بمكناس، إلى عنوان كبير للاستعراض، لا للإبداع، للضجيج لا للفعل، وللتنظير الفارغ الذي يبرر وجوده بالانتقاد الدائم، لا بالاقتراح الجاد.
لقد كان اللقاء فرصة ليتأكد الرأي العام المكناسي أن بعض الوجوه التي تملأ مواقع التواصل الاجتماعي بالشعارات والتنظير، تعجز حين توضع أمام المسؤولية عن ترجمة أقوالها إلى تصورات أو مشاريع ذات أثر ملموس، وهكذا سقط القناع عن “نخبة مدنية” لا تمارس الفعل الجمعوي من باب الإسهام في التنمية، بل تتعامل معه، للأسف، بمنطق الارتزاق والمزايدة، والدليل أن “اللقاء التنموي” لم يثمر حتى شبه مشروع واحد يمكن أن يذكر في البيان الختامي، وكأن المدينة التي تعاني من تحديات عمرانية واقتصادية واجتماعية كبرى، لا تستحق سوى الكلام الفارغ والابتسامات الرسمية أمام الكاميرات، وأن كثيرين ممن يرفعون شعار “الغيرة على مكناس” يفقدون البوصلة حين يتطلب الموقف شيئا بسيطا اسمه الكفاءة.
في المقابل، أبانت السلطة المحلية عن قدرة تنظيمية ومقاربة مؤسساتية منضبطة، ونجحت، دون أن تخطط لذلك، في كشف محدودية بعض الفاعلين الذين يرفعون شعار “الدفاع عن مصالح المدينة” بينما يفتقرون لأبسط أدوات الفهم والتخطيط.
ومع أن اللقاء جاء استجابة للتوجيهات الملكية السامية الواردة في خطابي العرش وافتتاح الدورة التشريعية لسنتي 2025، واللذين شددا على ضرورة اعتماد مقاربة جديدة لتوزيع التنمية بشكل عادل ومتوازن، إلا أن ضعف المخرجات طرح أسئلة جريئة حول مدى جاهزية النخب المحلية للانخراط الفعلي في هذا التحول التنموي المنشود.
لقد كان لقاء مكناس فرصة حقيقية لإثبات الكفاءة المدنية في صياغة الحلول والمبادرات، غير أنه انتهى إلى كشف هشاشة الخطاب الجمعوي السائد، وإبراز الحاجة الملحة إلى تجديد النخب وإعادة تعريف العمل المدني بوصفه أداة اقتراح لا وسيلة انتقاد فارغة.