أزمة بمؤسسات “الريادة” التعليمية.. تأخر الكراسات يضع إصلاحات التعليم على المحك

ما زالت مشاكل الدخول المدرسي 2025/2026 تلقي بظلالها على عدد من المؤسسات التعليمية بالمغرب، إذ رغم مرور عامين على إدخال تجربة التعليم الصريح (TaRL) في المدارس الابتدائية، وسنة على تطبيقها في الإعدادي، فإن العديد من التلاميذ، في مختلف المناطق، ما زالوا يعانون من نقص حاد في الكراسات الدراسية الخاصة بالمواد الأساسية مثل اللغة العربية، الفرنسية، والرياضيات. هذا النقص المستمر في الأدوات التعليمية يهدد بسد التقدم الذي تم إحرازه في إطار إصلاحات المنظومة التعليمية.

من خلال المعطيات الميدانية، يبدو أن الأزمة تتجاوز المسائل اللوجستية البسيطة إلى خلل هيكلي في تنسيق وتوزيع الموارد بين مختلف الجهات المعنية. إذ تلاحظ الأسر المغربية أن الكراسات المطلوبة لا تتوافر بكميات كافية في مكتبات القرب، رغم الجهود التي بذلتها الأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية لمتابعة عمليات التوزيع ورصد مدى توفر الحوامل البيداغوجية في مختلف المؤسسات التعليمية. ففي الوقت الذي يتم فيه الإعلان عن توفير كراسات التعليم الصريح في مدارس الإعدادي، لا تزال هذه الأخيرة مفقودة حتى بداية نوفمبر الجاري، رغم وعود الوزارة السابقة بتوفيرها في الموعد المحدد.

من جهتها، تكلفت الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين بمسؤولية طباعة الكراسات وتوزيعها، بعد أن أطلقت الوزارة صفقات خاصة بذلك في نهاية الموسم الدراسي الماضي. لكن مع تعثر عمليات تأليف الكراسات والمصادقة عليها، تأخرت جداول الطباعة، مما حال دون وصول المواد إلى المؤسسات التعليمية في الوقت المناسب. ومن المفارقات أن وزارة التربية الوطنية أعلنت عن تخصيص رقم أخضر للتبليغ عن النقص في الكراسات، بينما تظل هذه الحوامل الدراسية غير متوفرة في بعض المكتبات المدرسية على الرغم من المساعي الحثيثة لتسويتها.

وأمام هذا الوضع، يتساءل المراقبون عن مدى استعداد الوزارة لمواجهة تحديات تطبيق الإصلاحات التربوية الكبرى التي أعلنت عنها في استراتيجيتها الممتدة حتى 2026. فبالإضافة إلى النقص في كراسات المواد الأساسية، يعاني تدريس اللغة الأمازيغية من تأخير شديد في تحضير كراساتها الخاصة، التي كانت من المفترض أن تكون جاهزة منذ بداية الدخول المدرسي، لكن عملية تأليف هذه الكراسات لم تنطلق إلا مع بداية هذا العام، مما يعكس ضعف التنسيق بين فرق التأليف والمصالح الإدارية المكلفة.

وبذلك، أصبح المشروع التربوي المتمثل في تطبيق التعليم الصريح محط تساؤلات جدية حول قدرته على النجاح في ظل هذه المعوقات التنظيمية. يضاف إلى ذلك أن الوزارة تكبد الأكاديميات مسؤولية طباعة كراسات اللغة الأمازيغية، رغم أن عملية التأليف نفسها لم تُكتمل بعد. هذا التأخير أدى إلى تراجع كبير في توفير هذه المواد في المؤسسات التعليمية، ما يهدد بنقص في تدريس الأمازيغية في الوقت المحدد، مما يعيق تنفيذ الإصلاح الذي يُعتبر من بين أولويات الوزارة.

لقد أصبح واضحا أن المشروع الذي تراهن عليه الوزارة في إصلاح التعليم، والمتمثل في تطبيق نظام التعليم الصريح في العديد من المواد، يواجه عقبات كبيرة تعيق تنفيذه بشكل سليم. تأخير الكراسات ونقص التنسيق بين مختلف القطاعات يزيد من الضغط على النظام التربوي ويترك التلاميذ في حالة من الارتباك والاضطراب، مما يهدد فاعلية الإصلاحات التي تسعى الوزارة إلى تطبيقها.

إن هذه القلاقل تطرح العديد من التساؤلات حول مستقبل الإصلاح التربوي في المغرب، خاصة مع التأخير المستمر في تأمين المواد الدراسية الأساسية والاضطرابات التي تشهدها عملية التوزيع. في ظل هذا الوضع، يبقى التساؤل الأهم هو هل يمكن للوزارة معالجة هذه الإشكاليات في الوقت المناسب؟ أم أن هذه المشاكل ستستمر في عرقلة سير العملية التعليمية وتؤثر بشكل سلبي على نتائج الإصلاحات المنتظرة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *